الرأيفن

عن فيلم حياة الماعز عندما يغضب فيلم مملكة ( بقلم رشا حيدر)

الفيلم الذي ازال القناع عن بلد يدعي الانسانية

عن فيلم حياة الماعز عندما يغضب فيلم مملكة

 (بقلم رشا حيدر)

أثار فيلم الهندي ” حياة الماعز” ضجة عارمة على وسائل التواصل الاجتماعي بسبب تناول الفيلم حياة شاب هندي يدعى ” نجيب” سافر إلى السعودية ليعمل ،وهناك تجرع كؤوس العذاب الى ان فقد عقله .

قصة حقيقة فلماذا الغضب بدلا من التعاطف؟

جاء توقيت عرض الفيلم في مرحلة تحاول فيها دول البترول وعلى رأسها السعودية في تحسين صورتها النمطية امام الدول المتقدمة وانها اكثر إنسانية فيما عرض الفيلم وحشية الكفيل البدوي المتعالي على غيره الذي لم يخرج من الجاهلية ونظام العبيد والاسياد

واعتبر كُتاب ونقاد ومغردون سعوديون أن فيلم “حياة الماعز” الهندي يستهدف الإساءة إلى بلدهم، عبر انتقاده نظام الكفيل بمبالغة مقصودة، من خلال قصة عامل هندي صارع الموت في الصحراء هربا من كفيله السعودي. في المقابل احتفى آخرون كارهون للسعودية بالفيلم على مواقع التواصل الاجتماعي، وأنه نجح في إسقاط مشروع النهضة الفنية السعودية.

تكشف مشاهدة عميقة للفيلم عدم صحة الموقفين، وتسلط الضوء على جوانب فكرية وفلسفية ومجتمعية مهمة يطرحها العمل بعمق وتشويق وجاذبية وانسانية اذ يسلط الضوء على معاناة الوافدين وان السعودي مهما تقدم في الملبس والمأكل وتعالى في البنيان و بدل لسانه فانه في جنبات نفسه مازال ذلك البدوي الخشن ،البدوي الذي كان يغير على جاره من اجل اخذ الماء والطعام والزوجة ايضا يقتل من اجل مصلحته ويكذب ويسرق وهذا ما عرضه الفيلم .

فالبطل نجيب محمد، الهندي المسلم، إنسان مسالم، متدين، كما تدل على ذلك إشارات عديدة في بداية الفيلم ضمن حواره مع صديقه. تبدأ معاناته في كنف رجل سعودي بدوي خشن التقاهما في المطار، وأخبرهما بأنه كفيلهما، ليصطحبهما بعدها، ويفرقهما عن بعضهما البعض.

يعمل البطل في رعاية الأغنام في الصحراء، رغم أن عمله الأصلي الذي غادر بلده ليلتحق به يُفترض أن يكون في شركة، مع الإقامة في غرفة مكيفة، لكن يتم حرمانه من أبسط مقومات الحياة، من ماء للاستحمام أو تناول طعام كاف، فضلا عن قيام السعودي بتمزيق جواز سفره، وضربه لأتفه الأسباب.

لا يعرف نجيب شيئا عن حياة الأغنام، فيضربه الكفيل بعنف بسبب ذلك، فيبدأ في مخاطبة الماعز طالبا منها الاستجابة له، قائلا “أرجوكِ.. حتى لا أتعرض للضرب”، فتقف له إحداها بهدوء كي يحلبها، وتُحدث أخرى صوتا يتفاعل معه باقي القطيع الذي فر منه ويعود إليه. يأتي ذلك كله بعد أن يناجي الله بدموعه: “يا رب”.

وسط الألم والظلم والدموع، يعود السيناريو بتقنية “فلاش باك”، ليتذكر نجيب حياته في ولاية “كيرلا” الهندية، التي تبدو كالجنة، كان يحيا فيها مع زوجته الجميلة ساينو التي يحبها، لكنه يغادر “جنته” بحثا عن الرزق، حالما مع حبيبته بإنجاب طفلين يسميانهما نبيل وصفية، يربيانهما في رغد ورخاء.

تقع عين البطل فجأة في الصحراء على مرآة سيارة تجلب المياه للمزرعة الصغيرة، فيرى نفسه لأول مرة وقد طالت لحيته، وبدا مظهره مثل الوحش، عاد بدائيا في صورة الإنسان الأول، لا يعرف كم من الزمن مر عليه في هذه الصحراء.

صورته تجذبه إلى قاع بئر الهم، وترفع داخله منسوب الألم، فيحاصره اليأس. يهم كعادته بالدعاء، لكن يهاجمه الشك. يخاطب نفسه “لماذا أدعو الله؟ لماذا أصلي لله؟ لماذا يحدث لي كل هذا إن كان هناك إله”، يصعد إلى جبل، ويعتزم القفز منه والانتحار.

يظهر أمامه فجأة طير جارح مرعب، فيخاف منه، ويبتعد عن حافة الجبل، ثم يلتفت ليجد مجموعة من الطيور المماثلة تنهش على مقربة جثة عامل هندي طاعن في السن كان التقاه أول وصوله إلى المزرعة لكنه اختفى، فيحاول مصارعة الطيور إنقاذا للجثة لكنه يفشل.

جاء ظهور الطير أمامه كنذير منعه من الانتحار، وأعاد مشهد جثة الرجل الهندي الممزقة إليه شعور التمسك بالحياة، فيحاول الهرب في الصحراء، لكن الرجل البدوي يطلق النار عليه، فيصيبه، ويرجعه إليه.

لسنوات لا يحصيها، يتوحد نجيب مع الأغنام، يحبها ويعيش حياتها، بل إنه يشاركها طعامها وشاربها. وفجأة، يسمع في الصحراء صوتا، يتبين له أنه يعرفه، إنه هو، صديقه حكيم، الذي جاء من بلده معه، يعمل مثله في مزرعة مجاورة، وقد تغير شكله أيضا.

صار كل منهما كالإنسان البدائي الأول، يحتضنان بعضهما البعض، ويبكيان بحرارة، ويتبادلان السؤال “كم من الوقت مر؟” لا أحد يجيب، فلا أحد يعرف بدقة عمر الإنسان على الأرض؛ عمر الألم والمعاناة بعد مغادرة الجنة.

وتلمع الفكرة؛ يخبر حكيم صديقه البطل نجيب بخطة للهرب، خلال حفل عرس ابنة أحد البدو بعد أيام. الفكرة يكتبها حكيم في رسالة يتركها لصديقه في الصحراء، لكن الرسالة تظل تتطاير بفعل الرياح حتى يصل إليها نجيب بصعوبة، ويقرأها.

في الرسالة، يخبر حكيم صديقه عن زميل له في المزرعة، أفريقي، اسمه إبراهيم قادري، يعرف الطرق في الصحراء، سيتولى إرشادهما ليهربوا جميعا، ويصف حكيم هذا الرجل قائلا “كأنه أرسل إلينا.. مثلما أرسل الله النبي موسى كي نصل إلى الله”.

يودع نجيب الأغنام والجمال في المزرعة، بعد رحيل صاحبها البدوي لحضور حفل العرس، ويغمر نفسه أخيرا بالماء الذي كان حلما له، كأنه الحياة بعد موت قريب.

بعد محاولات بائسة لطلب النجدة وإيقاف عدد من السيارات، توقف له رجل سعودي كريم، اصطحبه معه إلى المدينة وأوصله إلى المسجد، وهناك التقطه بعض العمال الهنود فأنقذوا حياته.

مشهد النهاية في الفيلم قبل عودة نجيب إلى الهند مرة أخرى كشف عن مفاجأة مذهلة داخل مصلحة الجوازات وقسم الترحيلات، أن الكفيل السعودي الذي اصطحب نجيب من المطار لم يكن بالأساس كفيله الحقيقي وهو ما يوضح بشاعة هذا النظام الذي راح ضحيته آلاف البشر عبر سنوات طويلة.

لست هنا في نقد الفيلم الذي جاء طويلا ومملا، أو تركيبته الفنية في أن يرفع يده في الصحراء الغاضبة بدعاء، أو نشيد ديني، لكن وجدت نفسي غريق الدمع، مع نجيب، وما أكثر من نجيب لدينا الذين يتعرضون لهلاك ونزع انسانيتهم وجلدهم في دول البترول.

جاء نجيب مع صديقه الذي ارشده بتاجر البشر في الهند عبر وكلاء في الخليج، صفقات لبيع البشر البسطاء، ليعملوا رعاة للأبل والغنم، وتتعاطف القوانين، كل القوانين العامة مع الإجرام البشري، الفيلم لا يقول كل الحقيقة على أرض البطش، والضرب ب”العقال”، وكأنه أراد أن يقول فقط من خلال عنوانه؛ البشر أيضا حياة الماعز، كنت أتمنى بأن يوسم الفيلم “أرض الماعز”، هذا من خلال ما شاهدته من الرجل الشيطان الذي استقبل نجيب ورفيقه في المطار والتعامل معهما كالخرفان التي تعيش في زريبته بالصحراء التي لايمكن الهروب منها.

هرب نجيب ونجا من بطن الصحراء، وفقد صديقه بعد أن رأى بصيص من الأمل في النجاة والوصول إلى الطريق، نجا نجيب وهو يقول حين صعد سلم الطائرة بأن سنوات السجن التي قضاها كانت أصعب من سنوات الصحراء، لأنه وجد نفسه مع تعاطف الخرفان والأبل، وليس مع الإنسان.

 باختصار الفيلم بحكايته، هدم المعبد واشعل النار أمام غرف المكياج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى