بقلم: الصحافي حسين عبدالله
في العلن، انتهت اجتماعات جنيف بعبارات مدروسة عن “أجواء بنّاءة” و”استمرار الحوار”. في الكواليس، المشهد مختلف تماماً. فحين تتباين اللغة السياسية مع المؤشرات الميدانية، تصبح التفاصيل اللوجستية والعسكرية أصدق من التصريحات.
الأسواق قرأت الإشارات أولاً. شركات الطيران لا تراهن على التفاؤل، بل على تقييم المخاطر. قرار شركة مثل الخطوط الجوية القطرية بتعليق رحلاتها إلى طهران لفترة طويلة لا يُفهم باعتباره إجراءً روتينياً، بل كخطوة احترازية مبنية على تقديرات أمنية دقيقة. شركات الطيران العالمية تعتمد على تقارير استخباراتية وتأمينات سيادية معقدة، وأي تمديد طويل لتعليق الرحلات يعني أن المخاطر ليست عابرة.

في المقابل، التحركات الأمريكية في المنطقة تعكس إعادة تموضع محسوبة. قاعدة العديد في قطر، التي تُعد أكبر تمركز جوي أمريكي في الخليج، شهدت تقليصاً لافتاً في بعض الأصول الجوية الحساسة، لا سيما طائرات التزوّد بالوقود. هذه الطائرات تحديداً تُعتبر العمود الفقري لأي عملية جوية بعيدة المدى، ونقلها أو إعادة توزيعها لا يتم إلا في إطار تخطيط عملياتي أوسع.
وفي الجهة الأخرى من المعادلة، مطار بن غوريون في إسرائيل استقبل تعزيزات لوجستية أمريكية، في خطوة تزامنت مع تقارير عن تحريك قدرات دعم جوي إضافية نحو شرق المتوسط. هذا التحول يوحي بأن مركز الثقل العملياتي، إذا ما تطورت الأمور، قد يكون أقرب إلى إسرائيل وأوروبا منه إلى الخليج.
التحشيد لا يقتصر على الدعم اللوجستي. مقاتلات هجومية بعيدة المدى مثل F-15E، المصممة للضربات الدقيقة الثقيلة، أعيد نشرها باتجاه قواعد بريطانية، ما يمنح واشنطن هامش مناورة أوسع في حال تقرر التصعيد. وفي البحر، تحركات حاملة الطائرات USS Gerald R. Ford باتجاه شرق المتوسط تعني أن القوة البحرية الأمريكية تقترب من مسرح عمليات محتمل، مع ما تحمله من مقاتلات وأنظمة إنذار مبكر وقدرات حرب إلكترونية.
أما على الضفة الإيرانية، فالنشرات الملاحية الجوية (NOTAMs) تعكس استمرار حالة الاستنفار. تفعيل مناطق للمسيّرات، إغلاق مسارات جوية دولية، وتمديد مناطق الرماية في الغرب والجنوب، كلها مؤشرات على جاهزية دفاعية متواصلة. هذه الإجراءات لا تعني بالضرورة قرب الحرب، لكنها تدل على أن سيناريو التصعيد حاضر بقوة في الحسابات.
في إسرائيل، الخطاب الإعلامي والسياسي يميل إلى التشدد. تقارير عبر قناة كان 11 العبرية تشير إلى استعدادات لاحتمال فشل المسار التفاوضي. النقاط الخلافية الجوهرية لا تزال على حالها: مستوى تخصيب اليورانيوم، مستقبل منشآت مثل فوردو ونطنز، وآليات الرقابة. هذه ملفات ترتبط بالأمن القومي الإيراني كما بالأمن الاستراتيجي الإسرائيلي، ما يجعل التنازل فيها بالغ التعقيد.
في واشنطن، لا يبدو أن صناع القرار يراهنون على اختراق سريع. تقارير موقع أكسيوس تحدثت عن فتور في التقييم الأمريكي للعروض الإيرانية الأخيرة، ما يعزز فرضية أن المسار الدبلوماسي قد يُستخدم لشراء الوقت، سواء لاستكمال تحضيرات عسكرية أو لإعادة صياغة أوراق التفاوض.
السؤال المحوري اليوم ليس ما قيل في جنيف، بل ماذا تعني هذه التحركات المتزامنة. إعادة تموضع الطائرات، تعزيز المتوسط بحاملة طائرات، تمديد إغلاقات جوية، وتعليق رحلات مدنية لفترة طويلة… كلها عناصر تشير إلى بيئة عالية التوتر.
هل يعني ذلك أن الحرب حتمية؟ ليس بالضرورة. أحياناً يكون التصعيد العسكري وسيلة ضغط قصوى لدفع الخصم إلى تنازلات سياسية. لكن المؤكد أن المنطقة دخلت مرحلة “الردع المتبادل المكثف”، حيث يتحرك الجميع على حافة الهاوية دون أن يقفز أحد (حتى الآن).
بين ابتسامات الدبلوماسيين وضجيج المحركات النفاثة، تبقى الحقيقة معلقة في الجو. الأيام المقبلة وحدها ستكشف ما إذا كانت جنيف محطة لالتقاط الأنفاس، أم مجرد استراحة قصيرة قبل اختبار أكبر.
زر الذهاب إلى الأعلى