تحقيق خاص – Arabic Daily News
بقلم: حسين عبدالله
لم يعد ما يحدث على تيك توك في لبنان مجرّد انحرافات فردية أو حالات شاذة. ثمة منظومة متكاملة تعمل في الخفاء، وتحوّلت المنصة إلى ساحة مفتوحة للفوضى، والتحريض، والاستغلال، وغسل الأموال، حتى صار “اللايف” مرآة لانحدار أخلاقي واجتماعي غير مسبوق.

المعلومات التي حصلنا عليها من مصادر داخل تيك توك، ومن ناشطين ومستخدمين سابقين، تكشف عن واقع صادم. هناك ما يُعرف بـ”غرف القيادة الرقمية”، وهي مجموعات مغلقة على تيليغرام وإنستغرام تضم مؤثرين، مشرفين، وسطاء ماليين، وأصحاب نفوذ. هؤلاء ينسّقون حملات اللايفات ويحدّدون مسارات المعارك الكلامية بين التيكتوكرز، كما ينظمون الهجمات المنظمة والتبليغات الجماعية لإسقاط الحسابات.
المفارقة أن بعض المؤثرين لا يحققون الشهرة بسبب موهبة أو محتوى مميز، بل لأنهم مدعومون ماليًا من هذه الغرف. تُضخ أموال عبر الهدايا الرقمية بآلاف الدولارات، وغالبًا ما تكون مصدر هذه الأموال خارجيًا، يتم تحويلها باستخدام العملات الرقمية لتجنّب الملاحقة. من خلال هذه الهدايا، يتم تبييض الأموال وتحقيق أرباح نظيفة من محتوى فاسد أو تحريضي أو خادش للحياء.
الأخطر هو ما يحصل في الغرف الخاصة واللايفات الليلية: نساء متزوجات يظهرن في لايفات بلباس فاضح، وأزواجهن إمّا مشاركون كمشرفين، أو ساكتون أمام طوفان الهدايا. هناك من يطلب “بوسة” بهدية، فتردها المرأة علنًا أمام زوجها، في مشهد لا يُفسّر إلا بانهيار القيم العائلية.
في حالات أخرى، تظهر أم مع بناتها القاصرات في بث مباشر، وتقدّمن محتوى مثيرًا للاستمالة والربح. هذه المشاهد ليست افتراضية فقط، بل تشكّل تهديدًا مباشرًا لسلامة الأطفال، ويتم استغلال صورهم ومقاطعهم في محادثات مشبوهة على منصات أخرى مثل سناب شات، أو بيعها ضمن مجموعات سرية.
أحد أخطر مظاهر هذه المنظومة هو ما يسمّى بـ”المحاكم الرقمية”، حيث يفتح بعض الداعمين غيستات لايف تحت عنوان “محكمة التيك توك”. من خلالها، يتم محاكمة تيكتوكرز، سبّهم، التشهير بهم، فضح صورهم، واتهامهم باتهامات أخلاقية من دون أي دليل، بدعوى أنهم “السلطة الخامسة” التي تراقب وتحاسب. في الواقع، هؤلاء أشخاص يستغلون نفوذهم الرقمي لهتك الأعراض، وتشويه السمعة، وتحقيق المكاسب من خلال الفتنة.
وإذا سألنا: ما الذي يدفع كل هؤلاء للانخراط في هذه اللعبة؟ الجواب بسيط: المال، والظهور، والسلطة. بات تيك توك مصدر دخل لبعض العائلات، ما يدفع بعض الأشخاص إلى ترك أعمالهم للانخراط الكامل في المنصة. وهناك حالات حقيقية لنساء سافرن إلى دبي، وعدن بسيارات فارهة وشقق فخمة، تحت ذريعة أنهن حققن ذلك من “المحتوى”، فيما الحقيقة تُخفي وراءها دعمًا مشبوهًا أو استغلالًا.
المنصة اليوم ليست فقط بؤرة للفوضى، بل باتت تصنع أزمة مجتمعية. هناك جيل جديد يرى أن السبّ والصراخ والشتائم هي السبيل إلى النجاح. غيستات تُفتَح فقط من أجل مهايطات، ومشاكل مفتعلة لجذب الفيوزات، واتفاقيات سرية تحت الطاولة بين تيكتوكرز لتحقيق أكبر قدر من اللايكات.
تيك توك في لبنان صار مشهدًا متكرّرًا لانهيار المعايير: بين طفل يُستغل، وامرأة تُعرض، ورجل يدّعي أنه قاضٍ رقمي، وأموال مشبوهة تتدفق بلا حسيب. من هنا، لا بد من فتح ملف هذا التطبيق بجدية، والضغط على الجهات الرقابية، ووضع حدّ لما يجري قبل أن تنفجر أزمة اجتماعية لا يمكن احتواؤها.
هذا التحقيق يستند إلى شهادات حيّة من داخل المنصة، ومحادثات موثقة، وأمثلة واقعية. لا فبركة، ولا تهويل، بل كشفٌ لحقيقة مُرّة نعيشها على المباشر.
زر الذهاب إلى الأعلى