بقلم: حسين عبدالله – رئيس تحرير
السلاح روح المقاومة… قراءة في خطاب الشيخ نعيم قاسم
لم يكن خطاب الشيخ نعيم قاسم حدثًا عابرًا. الكلمات حملت ما يشبه البيان السياسي – العسكري، خطابًا مشحونًا بالرموز والتاريخ، ومشحونًا أيضًا بالتحذيرات الصريحة. هو خطاب يضع المقاومة في قلب معركة الوجود، ويضع الحكومة والخصوم أمام خيار واحد: إمّا السير في مشروع السيادة الحقيقية، أو مواجهة معادلة لا مساومة فيها.
منذ البداية، استدعى الشيخ قاسم شخصيات ومرجعيات صنعت الوجدان المقاوم: السيد عباس الموسوي، الذي كان عضوًا في الهيئة الشرعية للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، والإمام المغيّب السيد موسى الصدر، الذي أحدث تغييرًا جذريًا في لبنان وأطلق معادلة الوحدة الوطنية، حيث اعتبر الجنوب خط الدفاع عن كل لبنان والعرب. لم يكن هذا الاستدعاء عرضيًا، بل محاولة لتجديد الشرعية التاريخية والروحية للمقاومة، وربطها بمسار مؤسس في لبنان الحديث.
على المستوى السياسي، حمّل الشيخ قاسم الحكومة مسؤولية ما أسماه “القرارات غير الميثاقية” المتخذة تحت الإملاءات الأميركية والإسرائيلية، داعيًا إلى أسبوع كامل تحت شعار “استعادة السيادة”. هنا، بدا الخطاب بمثابة قلب للمعادلة: من اتهام الحزب بمصادرة السيادة إلى تحميل الآخرين مسؤولية ضياعها. كما دعا النخب والأحزاب إلى المشاركة في إنتاج رؤية وطنية، محدّدًا عناصرها: الدبلوماسية، تسليح الجيش، والاستراتيجية الدفاعية.
أما البعد العسكري والميداني، فكان حاضرًا بقوة. معركة فجر الجرود عادت إلى الواجهة، لتأكيد أن الانتصار على الإرهاب تحقق بقرار مشترك بين الجيش والمقاومة، وبإرادة سياسية جسّدها الرئيس ميشال عون، رغم الضغوط الأميركية. هذه الإشارة ليست تفصيلًا، بل تأكيد على أن أي إنجاز لبناني أمني لم يكن ليتحقق خارج معادلة الجيش والشعب والمقاومة.
في الخطاب أيضًا رسائل ردعية واضحة: السلاح ليس مجرد أداة بل هو “روح وكرامة وأرض”، ومن يسعى إلى نزعه كمن يسعى إلى نزع الروح. بهذا المعنى، رسم الشيخ قاسم خطًا أحمر لا يقبل التفاوض. فالمقاومة، بحسب قوله، نجحت في ردع إسرائيل طيلة سبعة عشر عامًا، وستبقى سدًا منيعًا أمام أي مشروع توسعي للعدو. وهنا كان السؤال الاستنكاري: “ما البديل إن لم تستمر المقاومة؟ الاستسلام لإسرائيل؟”.
على المستوى الإقليمي والدولي، ربط الشيخ قاسم الساحة اللبنانية بمحور أوسع، مثنيًا على موقف اليمن “الاستثنائي” في نصرة غزة، ومتهمًا أميركا بأنها الراعي لكل انهيار وفتنة وعقوبات. الرسالة واضحة: الصراع ليس داخليًا فحسب، بل هو جزء من مواجهة شاملة في المنطقة.
الخطاب إذًا ليس مجرد موقف لحظي، بل خارطة طريق تجمع بين الشرعية التاريخية، الشرعية الوطنية، والشرعية الميدانية. إنه خطاب يجمع بين التصعيد والاحتواء: لا تنازل عن السلاح، ولكن استعداد لنقاش وطني مشروط، ضمن استراتيجية واضحة تحافظ على الردع وتحصّن السيادة.
الخلاصة: من موقع المراقب العسكري والسياسي، يمكن القول إن الشيخ نعيم قاسم أراد أن يقول للداخل والخارج معًا: المقاومة ليست ورقة تفاوض، بل قدر وجودي. ومن أراد نزع السلاح، فعليه أن يواجه حقيقة أن هذا السلاح أصبح روحًا لشعب ودرعًا لوطن.
زر الذهاب إلى الأعلى