تحقيق خاص لـ Arabic Daily News
حزيران 2025
بقلم: حسين عبدالله
منصة تيك توك في لبنان لم تعد فقط مساحة ترفيه. أصبحت اليوم ساحات حرب كلامية، تُبثّ فيها جلسات تُشبه المحاكمات العلنية، يُستدعى فيها تيكتوكرون إلى ما يُعرف بـ”الغيستات”، ويُخضعون لاستجواب مباشر أمام جمهور متحمّس… و”قاضٍ رقمي” يدّعي تمثيل “السلطة الخامسة”.
“نحنا المحكمة الرقمية… نحاكم الفساد” بهذه العبارات يفتتح بعض الداعمين لايفاتهم الليلية. يعتلون المنصة الإلكترونية، يدّعون النزاهة والموضوعية، ويبدأون “جلسة الاستجواب”.
المتهم؟ تيكتوكر شاب أو فتاة، قد تكون ارتكبت زلة أو عبّرت عن رأي مثير للجدل.
الحكم؟ يصدر مباشرة من اللايف: سب، تحقير، شتائم، تحريض، وإجماع على “الإلغاء”.
لكن من هؤلاء الذين يدّعون تمثيل الجمهور؟ ومن أعطاهم هذا الدور؟ ومن يموّل هذا “القضاء الموازي” على تيك توك؟
تحقيقنا كشف عن نمط متكرر في هذه “اللايفات المحاكمة”:
– التوقيت مبرمج (عادةً بعد منتصف الليل)
– الضيوف مختارون بعناية: إما لخلق صدمة أو لتصفية حساب
– الموضوع مجهّز مسبقًا: يُطرح وكأنه مفاجئ، لكنه معروف للمشاركين
مصدر داخل مجموعة تيليغرام سرية تضم داعمين، أخبرنا أن بعض المحاكمات يتم “الاتفاق عليها مسبقًا”، حيث يُعرض على التيكتوكر الضيف مبلغ مالي صغير أو وعد بهدايا تيك توك، مقابل أن يدخل في “جلسة توبيخ” مدبرة، ويظهر ضعيفًا أمام الجمهور.
خلف الستار، تمويل… وتحويلات!
بعض الداعمين يديرون لايفاتهم بشكل يومي، ويتلقّون “هدايا افتراضية” بمبالغ تصل أحيانًا إلى مئات الدولارات في البث الواحد.
مصادرنا تؤكد وجود وسطاء ماليين يشترون الهدايا ببطاقات مسبقة الدفع أو بتحويلات من الخارج، تُستخدم لاحقًا لـ”تمويل حملات تشهيرية”.
في إحدى الحالات، تلقّى داعم لبناني بارز تحويلًا من جهة مقرها خارج البلاد، مقابل تخصيص سلسلة غيستات للهجوم على تيكتوكر معروف بميوله السياسية المخالفة.
تجاوزات أخلاقية وقانونية:
1) التحريض الطائفي
بعض المحاكمات تتحوّل إلى ساحة شتائم ضد طائفة كاملة، يُتهم فيها الطرف المستهدف بالخيانة أو “بيع الضمير”، ويُشبّه أحياناً بـ”العدو”.
2) هتك أعراض النساء والفتيات
اللايفات أحياناً تستهدف تيكتوكرات بمحتوى مسيء، يُستخرج من أرشيف أو يُركّب باستخدام مونتاج مغرض، ويُقدّم للجمهور وكأنه “دليل إدانة”.
3) ابتزاز مباشر أو غير مباشر
هناك حالات تم فيها إرسال رسائل خاصة للضحية بعد انتهاء الغيست، تتضمن تهديدات بكشف مزيد من “الفضائح” ما لم تدفع أو تختفي من المنصة.
لا محاسبة… ولا رادع، تيك توك، كمنصة، غالبًا لا تتدخل إلا بعد حملة تبليغات جماعية، وهنا المفارقة: الداعمون يملكون جيوشًا رقمية قادرة على إسقاط أي حساب خلال دقائق، في حين لا حماية حقيقية للمستخدمين العاديين.
النتيجة؟ فوضى رقمية تحكمها الغرائز، لا القوانين.
خلاصة:
“محاكم التيك توك” ليست ساحة عدالة. هي فوضى شعبوية رقمية، يتلطّى خلفها بعض الداعمين لتمرير أجندات شخصية أو سياسية أو طائفية.
ما يُقدَّم على أنه “سلطة خامسة” هو في الحقيقة بلطجة مقنّعة بغطاء رقمي، تهدّد الخصوصية، الأخلاق، والسلام الاجتماعي.
والسؤال الأهم يبقى:
من يُحاسب القضاة الجدد… قبل أن يحاكموا الجميع؟
زر الذهاب إلى الأعلى