مقالات

إيران في عين العاصفة: الإعلام يصرخ والمصالح تحكم

🖋️كتب الباحث السياسي جواد سلهب

شهدت الساحة الإقليمية خلال الأيام الماضية تصعيدًا إعلاميًا لافتًا، رافقه تداول واسع لسيناريوهات عسكرية واحتمالات مواجهة مباشرة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية. غير أن القراءة التحليلية الهادئة، بعيدًا عن الانفعال الإعلامي، تشير إلى أن هذا التهويل يندرج ضمن أدوات الضغط السياسي والنفسي أكثر مما يعكس نية حقيقية للدخول في حرب شاملة.

أولًا: التهويل الإعلامي كأداة ضغط سياسي

يبدو أن الهدف الأساسي من التصعيد الإعلامي الأخير هو دفع إيران إلى العودة إلى طاولة المفاوضات تحت ضغط الرأي العام والتهديدات غير المباشرة. ويتزامن هذا المشهد مع زيارة وزير خارجية سلطنة عُمان إلى طهران، وما يُرجّح أنه حمل رسائل أمريكية، بما فيها رسائل من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. إلا أن الموقف الإيراني، كما يظهر، جاء رافضًا للعودة إلى أي مسار تفاوضي في ظل هذه الظروف الضاغطة، ما يعكس تمسكًا بشروط تفاوضية أكثر توازنًا.

ثانيًا: استبعاد خيار الضربة العسكرية المباشرة

من الناحية العسكرية والاستراتيجية، يُستبعد شن ضربة تقليدية ضد إيران لا تحسم المواجهة من الضربة الأولى. فهجوم من هذا النوع، دون ضمان شلّ القدرات الإيرانية بالكامل، يفتح الباب أمام ردود فعل غير محسوبة العواقب، قد تتجاوز حدود المنطقة. وعليه، فإن الخيار الوحيد الذي قد يحقق حسمًا فوريًا – نظريًا – هو ضربة نووية واسعة النطاق، على غرار ما جرى في هيروشيما، وهو سيناريو مستبعد عمليًا وسياسيًا في السياق الدولي الراهن.

ثالثًا: أدوار إقليمية وحسابات المصالح

تلعب كل من السعودية وقطر دورًا محوريًا في كبح مسارات التصعيد، انطلاقًا من قناعة استراتيجية مفادها أن ضرب إيران أو تغيير نظامها سيعيد المنطقة إلى ما قبل سبعينيات القرن الماضي، حين كان الشاه يؤدي دور “شرطي المنطقة” بدعم أمريكي مباشر، مع تهميش كامل لدور القوى الخليجية. كما أن أي إضعاف جذري لإيران قد يفتح المجال أمام إسرائيل لاستكمال مشاريعها الإقليمية، بما يشكل تهديدًا مباشرًا لأمن هذه الدول.

رابعًا: ما وراء الإعلام… منطق المصالح لا الشعارات

تؤكد التجارب التاريخية أن سياسات الدول لا تُدار عبر الإعلام، بل وفق منطق المصالح المتبادلة. ففي العلاقات الدولية، قد تلتقي الدول مع خصومها عند نقاط مصلحة محددة، وتدير خلافاتها “بالقطعة” لا بمنطق العداء المطلق. وفي هذا السياق، يبرز ما يمكن وصفه بـ“الحلف الرباعي” غير المعلن، الذي يضم مصر والسعودية وإيران وتركيا، كلاعب أساسي في إعادة تشكيل توازنات المنطقة وصياغة المشهد الإقليمي.

خامسًا: السيناريوهات البديلة للضغط

بدلًا من مواجهة مباشرة مع إيران، يُرجَّح اللجوء إلى سيناريوهات غير مباشرة، أبرزها توجيه ضربة أو خلق حالة عدم استقرار في العراق، أو إعادة تنشيط تنظيمات إرهابية بهدف زعزعة الأمن على الحدود البرية الإيرانية. مثل هذه الخطوات من شأنها إرباك الجيش الإيراني، وتوفير ذريعة لتمديد الوجود العسكري الأمريكي، الذي يُفترض أن ينتهي مع نهاية الشهر الجاري.

سادسًا: الحذر من الاستراتيجية الأمريكية المتحركة

تاريخ السياسة الأمريكية حافل بالمناورات والخداع الاستراتيجي، ما يستوجب التعامل معها بأقصى درجات اليقظة والحذر، تفاديًا لأي مفاجآت غير محسوبة. ويُضاف إلى ذلك أن الأولوية الاستراتيجية الأمريكية الحالية تبدو منصبّة على مناطق أخرى، وفي مقدمتها غرينلاند، في إطار مساعٍ لإقامة قواعد عسكرية متقدمة لمواجهة الصعود الصيني، وهو ما يخفف نسبيًا من احتمالات الانخراط في حرب كبرى في الشرق الأوسط.

في المحصلة، يُظهر المشهد الراهن أن التصعيد الإعلامي لا يعكس بالضرورة نية حرب وشيكة، بقدر ما يشكل جزءًا من لعبة الضغط وإعادة التموضع. وبين استبعاد الضربة المباشرة، وتعدد الحسابات الإقليمية والدولية، تبقى الخيارات غير المباشرة هي الأرجح، ما يفرض على جميع الأطراف التعامل مع المرحلة بوعي استراتيجي وحذر بالغ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى