اخبار عالميةمقالات

من سليماني إلى فنزويلا … خطاب الشيخ نعيم قاسم يرسم خريطة الصراع العالمي بين الهيمنة والمقاومة

بقلم: الصحافي حسين عبدالله

في كلمته في الذكرى السادسة لاغتيال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، لم يكن الشيخ نعيم قاسم بصدد استعادة سيرة رجلين فقط، بل كان يرسم خريطة سياسية و فكرية كاملة للعالم من زاوية محور المقاومة، ويقدّم قراءة شاملة لما يجري اليوم في المنطقة والعالم، من الشرق الأوسط إلى أميركا اللاتينية، مروراً بإيران ولبنان وفلسطين، وصولاً إلى التهديدات الإسرائيلية و الأميركية المتصاعدة بحق الدول والرؤساء الذين يخرجون عن بيت الطاعة الغربي.

خطاب ذاكرة ورسالة حاضر

الجزء الأول من الخطاب بدا للوهلة الأولى احتفالياً تأبينياً، لكنه في العمق كان تأسيساً لمعادلة سياسية: القيادة، الشهادة، والاستمرارية. فاستحضار الإمام علي كنموذج للعدل والزهد لم يكن دينياً صرفاً، بل مدخلاً لإسقاط هذا النموذج على قاسم سليماني بوصفه “قائد الميدان” الذي جمع بين القرار العسكري والالتزام الأخلاقي، وبين المشروع الديني والرؤية الجيوسياسية.

هنا، يقدّم قاسم سليماني، كما يقدّمه الشيخ نعيم، ليس كقائد إيراني، بل كـ رمز عابر للحدود، وهو ما يفسّر، في منطق الخطاب، سبب اغتياله: لم يُقتل لأنه إيراني، بل لأنه شكّل عقدة مركزية في مشروع مقاوم عالمي يهدد الهيمنة الأميركية.

من بغداد إلى غزة: الاغتيال الذي لم يُنهِ المشروع

حين يربط الشيخ نعيم بين اغتيال سليماني والمهندس وبين إسقاط مشروع “داعش”، فهو يعيد صياغة السردية الغربية للحرب على الإرهاب. في هذا الخطاب، داعش ليس عدواً لأميركا، بل أداة خرجت عن السيطرة، وعندما سقطت، سقط معها جزء من النفوذ الأميركي، فجاء الرد بالاغتيال.

الرسالة هنا واضحة: الاغتيالات لا تُنهي المشاريع، بل تعمّقها. وهذه الفكرة تشكّل العمود الفقري للخطاب، سواء في الحديث عن فلسطين، أو لبنان، أو اليمن، أو العراق.

فلسطين مركز العالم لا ملفاً إقليمياً

اللافت في الخطاب هو إعادة تثبيت فلسطين كقضية مركزية كونية، لا كصراع عربي إسرائيلي. الأرقام التي أوردها عن حجم التضحيات في غزة، والربط المباشر بين “طوفان الأقصى” وأميركا وإسرائيل كجبهة واحدة، يعكس تحوّلاً في الخطاب من الدفاع إلى الاتهام: الغرب شريك مباشر في الحرب، لا وسيطاً ولا مراقباً.

هذا الطرح يتقاطع مع المزاج العالمي المتغيّر، حيث باتت شرائح واسعة من الرأي العام الغربي تنظر إلى إسرائيل كقوة احتلال لا كـ “دولة ديمقراطية”.

فنزويلا اليوم النموذج البعيد القريب

من هنا، يصبح الربط مع ما جرى اليوم في فنزويلا من ضغوط سياسية وتهديدات وعقوبات أمراً منطقياً في سياق الخطاب. ففنزويلا، كما إيران، وكما دول أخرى في أميركا اللاتينية، تُعاقَب لأنها اختارت الاستقلال السياسي والاقتصادي، ورفضت الانخراط في المنظومة الأميركية.

في منطق الشيخ نعيم، ما تتعرض له فنزويلا ليس شأناً داخلياً، بل حلقة في سلسلة واحدة من الهيمنة:

من يرفض شروط واشنطن يُحاصر،

من يخرج عن الطاعة يُهدَّد،

ومن ينجح في بناء نموذج مستقل يُستهدف سياسياً أو أمنياً.

وهنا يصبح التهديد الأميركي و الإسرائيلي لرؤساء دول وشخصيات سياسية في المنطقة والعالم امتداداً طبيعياً لهذا السلوك، لا استثناءً.

إيران من دولة معاقَبة إلى مركز جذب

يدافع الخطاب بوضوح عن العلاقة مع إيران، لكن اللافت أنه لا يقدّمها كـ “دولة راعية”، بل كـ شريك مشروع. الفكرة المحورية التي يكرّرها الشيخ نعيم: إيران تعطي ولا تأخذ.

سواء اتفق المراقب مع هذا التوصيف أم لا، إلا أن الخطاب ينجح في وضع المقارنة:

إيران لا تعيّن حكومات،

لا تفرض سياسات اقتصادية،

ولا تشترط التطبيع أو التنازل السياسي.

في المقابل، الوصاية الغربية، كما يصفها، تتدخّل في كل تفصيل، من المصارف إلى المناهج، ومن الإعلام إلى خيارات الرؤساء.

إسرائيل العصا الأخيرة للإمبراطورية

الجزء السياسي الأخطر في الخطاب هو توصيف إسرائيل كـ أداة وظيفية شاملة: عسكرية عند الحاجة، وثقافية واقتصادية عند الضرورة. هذا الطرح يفسّر، وفق منطق الشيخ نعيم، لماذا لا يُسمح بسقوط إسرائيل، ولماذا تُمنح غطاءً مفتوحاً للعدوان، ولماذا تُهدَّد الدول التي تجرؤ على مواجهتها أو حتى انتقادها.

لبنان في قلب العاصفة لا على هامشها

داخلياً، يحاول الخطاب تثبيت معادلة:

المقاومة ليست نقيض الدولة،

ولا بديلاً عن الجيش،

ولا عائقاً أمام الانتخابات والإصلاح.

بل يقدّم رؤية تقول إن الأولوية هي وقف العدوان والانسحاب الإسرائيلي، ثم النقاش الداخلي تحت سقف الدستور. وهو طرح يهدف بوضوح إلى نزع تهمة “التعطيل” عن حزب الله، وإعادة تحميل المسؤولية للضغوط الخارجية.

وفي الختام، خطاب الشيخ نعيم قاسم ليس خطاب مناسبة، بل بيان سياسي شامل.

هو خطاب يقول إن ما يجري اليوم في غزة، وفي لبنان، وفي إيران، وفي فنزويلا، وحتى في تهديد رؤساء دول مستقلين، هو وجه واحد لصراع عالمي بين مشروع هيمنة ومشاريع مقاومة.

في هذا السياق، يتحوّل قاسم سليماني من ذكرى إلى رمز، ومن قائد عسكري إلى عنوان مرحلة، عنوانها:

الاغتيال لا يُنهي الفكرة، والضغط لا يصنع الخضوع، والهيمنة لم تعد قدراً مسلّماً به.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى