اخبار سورياالرأي

سوريا على مفترق طرق … تصعيد داخلي أم تفكّك نهائي؟

بقلم: حسين عبدالله

في الأيام الأخيرة، عادت سوريا إلى واجهة المشهد الإقليمي والدولي، ليس من باب الحلول السياسية أو فرص إعادة الإعمار، بل من بوابة التصعيد الأمني والميداني، الذي يكاد يعصف بما تبقى من وحدة الأرض والقرار. ما يحدث اليوم، في الجنوب السوري وتحديدًا في محافظة السويداء، ليس مجرد اضطراب محلي أو مواجهة بين عشيرتين، بل هو تعبير صريح عن أزمة بنيوية تعيشها البلاد، حيث تتقاطع الولاءات المحلية مع الأجندات الإقليمية، ويغيب الصوت الوطني وسط ضجيج السلاح.

إعلان العشائر في سوريا “النفير العام” والتوجّه نحو السويداء، يقابله استنفار مماثل لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) شمالًا، وتجمّعات عسكرية لمرتزقة مدعومين من تركيا في ريف حلب، بالتزامن مع استنفار قوات تابعة لهيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقًا) في دمشق وحلب. هذا التزامن يطرح تساؤلات خطيرة: هل نحن أمام تفجّر واسع لجبهات متفرقة؟ أم أمام تنسيق ضمني بين أطراف متعددة لفرض واقع جديد على الأرض؟

الأخطر من كل ما سبق هو دخول العامل الإسرائيلي على خط المواجهة. الغارات التي شنّها الطيران الحربي الإسرائيلي على أهداف في الجنوب السوري، بحجة حماية تجمعات درزية، تضع علامات استفهام حول الهدف الحقيقي من هذا التدخّل: هل هو حماية أقلية؟ أم استثمار في تفكّك النسيج السوري لصالح مشروع أمني طويل الأمد على الحدود الشمالية لإسرائيل؟ الطيران الإسرائيلي لم يعد يكتفي بقصف مواقع إيرانية أو مخازن أسلحة، بل أصبح يتدخل في نزاعات داخلية ويختار طرفًا عشائريًا على حساب آخر.

السلطة المركزية في دمشق، بدورها، تبدو غائبة أو عاجزة. فرغم التصريحات الرسمية، لا تظهر بوادر واضحة على قدرة الدولة على ضبط المشهد أو حتى إدارة الأزمة ضمن الإطار الوطني. وهذا يعكس واقعًا مريرًا: سوريا اليوم، في كثير من مناطقها، تُحكم من قوى أمر واقع، تتبع مصالح إقليمية أو أيديولوجيات عابرة للحدود.

في ظلّ هذا المشهد المعقّد، تبدو سوريا وكأنها تسير بخطى متسارعة نحو مرحلة جديدة من التفكّك، ليست بالضرورة جغرافية على المدى القريب، بل سياسية واجتماعية، حيث تتآكل مفاهيم الدولة، وتصبح العشيرة والفصيل المسلح والطرف الإقليمي أهم من المؤسسات الوطنية.

لكن، هل لا يزال هناك أمل؟ نعم، الأمل موجود، لكنه يتطلّب إرادة حقيقية تبدأ من الداخل. المطلوب اليوم هو إطلاق مشروع مصالحة وطنية عميقة، لا تمرّ عبر المصالحات الشكلية أو التسويات الأمنية، بل عبر إعادة تعريف الهوية السورية على أسس مدنية جامعة. كما أن على القوى الإقليمية والدولية أن تدرك أن استمرار العبث في الداخل السوري لن يؤدي إلا إلى مزيد من الانفجار، الذي قد لا يتوقف عند حدود سوريا فقط.

سوريا اليوم ليست بحاجة إلى مزيد من البنادق، بل إلى عقد اجتماعي جديد، يعيد الاعتبار للإنسان السوري، ويُنهي زمن السلاح والوصايات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى