كيف حاولت المنظومة بيع كل الطوائف لتهريب الرؤوس الكبيرة!
في لبنان، لا شيء يُطبخ على نار هادئة.
كل شيء يُطبخ في العتمة، ثم يُقدَّم للناس على أنه “إنجاز وطني”.
هكذا حاولوا تمرير “قانون العفو العام”.
قانون لم يكن بريئاً، ولا إنسانياً، ولا وطنياً كما سوّقوا له على الشاشات.
بل كان، بحسب ما تكشف من تفاصيل وبنود واستثناءات، أقرب إلى “عملية تهريب قضائية” مفصّلة بالمسطرة والقلم، هدفها الحقيقي: إخراج أسماء محددة من السجن، مهما كان الثمن!
أما باقي اللبنانيين؟
فقط ديكور طائفي لتغطية الصفقة.
من البقاع إلى الشمال، ومن ملف المبعدين إلى ملفات المخدرات، لعبت المنظومة لعبتها المعتادة: رشوة الجميع بالأوهام، ثم تهريب المطلوب الحقيقي من الباب الخلفي.
البقاع رشوة المخدرات الكاذبة!
قالوا لأبناء البقاع:
“سننهي مذكرات التوقيف، وسنطوي صفحة المخدرات”.
لكن داخل النص القانوني، كانت الحقيقة مختلفة تماماً.
فالقانون استثنى جرائم “الاتجار والتصنيع والترويج الواسع”، أي أن آلاف المطلوبين والمحكومين غيابياً بقضايا جنائية لم يكونوا مشمولين أصلاً.
من بقي داخل العفو؟
المتعاطي الصغير، أو المروج المبتدئ.
أما “الملفات الثقيلة” التي استُخدمت لاستدراج البيئة الشعبية والسياسية في البقاع، فقد بقيت كما هي. رشوة سياسية رخيصة لا أكثر.
المسيحيون كذبة عودة المبعدين!
رفعوا شعاراً إنسانياً جذاباً:
“إعادة المبعدين إلى الأراضي المحتلة منذ عام 2000”.
لكن عند الوصول إلى المواد المرتبطة بأمن الدولة، تظهر الحقيقة الصادمة:
أي شخص كان سيعود إلى لبنان بناءً على هذا الوعد، كان معرضاً للتوقيف فور وصوله.
إذاً لماذا وُضع البند؟ للتسويق فقط. للبيع الإعلامي.
ولإعطاء الشارع المسيحي حصة وهمية داخل الصفقة.
الشمال، الوعد الذي سقط عند المجلس العدلي!أما في طرابلس وعرسال، فقد بيعت العائلات أملاً جديداً:
“الموقوفون الذين أمضوا سنوات طويلة سيخرجون”.
لكن هنا أيضاً كان الفخ جاهزاً.
القانون استثنى ملفات المجلس العدلي، فيما معظم ملفات الأحداث الأمنية الكبرى في الشمال مُحالة أساساً إلى المجلس العدلي.
النتيجة؟
الموقوفون العاديون والعناصر الصغيرة بقوا داخل الزنازين، بينما كانت الطبخة تسير في اتجاه آخر تماماً. من بقي إذاً داخل الغربال؟
هنا يبدأ السؤال الأخطر.
إذا كان المبعدون مستثنين،
وملفات البقاع الكبرى مستثناة،
وموقوفو المجلس العدلي مستثنين،
فمن المستفيد الحقيقي؟
الجواب الذي فجّر الغضب في الشارع:
أحمد الأسير، وبعض قادة المجموعات المتشددة.
وهنا بيت القصيد.
القانون (المفصّل) على القياس
المادة الثالثة كانت كفيلة بقلب المشهد كله.
خفض عقوبة الإعدام إلى 28 سنة سجنية.
واحتساب السنة السجنية بتسعة أشهر فقط.
مع فتح الباب أمام تخفيضات إضافية مرتبطة بحسن السلوك.
الحسابات هنا تصبح مرعبة.
موقوف منذ سنوات طويلة؟
قد يتحول فجأة إلى شخص أنهى محكوميته تقريباً.
وهنا انفجر الشارع.
ليس لأن الناس ضد العدالة، بل لأن اللبنانيين شعروا أن دماء العسكريين والشهداء تحولت إلى مادة تفاوض داخل بازار سياسي قذر.
لكن الذروة جاءت مع تصريح نائب رئيس مجلس النواب إلياس بو صعب، عندما قال إن “حقوق أهالي شهداء الجيش محفوظة ويمكنهم اللجوء إلى المحاكم المدنية”.
أي محاكم مدنية؟
عن أي حقوق يتحدثون بعد إسقاط الصفة الجرمية عن القاتل؟
كيف يمكن لعائلة شهيد أن تواجه قاتل ابنها بعد إطلاق سراحه بعفو سياسي؟
كيف يمكن تحويل دماء العسكريين إلى ملف تعويضات مدنية وكأننا أمام حادث سير؟
هنا شعر كثيرون أن القضية لم تعد قانوناً فقط، بل إهانة مباشرة لدم الجيش اللبناني.
الجيش أسقط الطبخة
ما لم تحسبه المنظومة جيداً، أن الغضب الشعبي هذه المرة سبق التسوية. الشارع انفجر. وعائلات العسكريين رفضت.
وضغط المؤسسة العسكرية كان واضحاً. فسقط القانون، قبل أن يمر. سقط لأن الناس قرأت ما بين السطور. ولأن اللبنانيين اكتشفوا مجدداً أن المنظومة لا تبني قوانين للعدالة، بل تفصّلها على قياس الزبائن السياسيين.
الخلاصة:
كل الطوائف استُخدمت كواجهة.
كل الملفات استُحضرت كطُعم.
وكل الشعارات الإنسانية كانت مجرد ستارة دخانية.
أما الهدف الحقيقي؟
فكان تهريب الرؤوس الكبيرة تحت عنوان العفو العام.
وفي بلد تُباع فيه الملفات على الطاولة، يبدو أن دماء الشهداء كانت هذه المرة الخط الأحمر الذي فجّر الصفقة قبل اكتمالها.