لم تكن السنوات الأربعة عشر الأخيرة في سوريا مجرد أزمة عابرة، بل كانت زلزالاً اجتماعياً وأخلاقياً وسياسياً لا تزال تداعياته مستمرة حتى اليوم.
في خضم هذا الانهيار، سالت دماء من كل الطوائف، وانهارت منظومات الأمان، وتفككت البنية المجتمعية، وهذا كله يتحمله نظام الأسد الذي كان يمثل السلطة والدولة في تلك السنوات
ومايحدث اليوم من اقتتال وغليان تتحمله السلطات الحالية وذلك لأن من يعلن نفسه “دولة”، ويتصرف بوصفه “حكومة”، عليه أن يتحمّل كامل التبعات.
فلا يمكن للسلطة أن تلبس عباءة الدولة حيناً وتتجرد منها حين تُحاسَب.
فوظيفة الدولة، أولاً وأخيراً، هي حماية أرواح الناس وصون أمنهم، لا تصنيفهم وفق انتماءاتهم، ولا تبرير الفوضى أو قمع الحريات.
سوريا لم تنزف بسبب طائفة واحدة، ولا منطقة بعينها. كل السوريين دفعوا الثمن، ومن الظلم أن ينكر أحد ذلك. لكن الأخطر من النزيف هو التواطؤ مع الصمت.
أن نتوقف عن المحاسبة بحجة “الواقع”، أو نخشى النقد بحجة “الاستقرار”، فهذا استهتار بدماء دفع السوريون ثمنها باهظاً.
اليوم، بعد كل هذا التاريخ من الألم، تعود بعض الأصوات لترفع شعارات قمعية، وتمارس تحريضاً ناعماً ضد كل من يعارض السلطة.
يظهر “شبيحة جدد” بثياب مختلفة، لكنهم يحملون العقيدة ذاتها: كمّ الأفواه، وتقديس السلطة، وتجريم الرأي الآخر، وهذا انحدار لا يليق بتضحيات أمةٍ ثارت من أجل الحرية.
الحرية التي نتمتع بها_إن وُجدت_ليست هبة من الحاكم، ولا مكرمة من السلطة.
إنها حرية حمراء اشتريناها بالدم، لا يجب أن تُبتذل أو تُختزل بعبارات الإنكار أو شعارات التخوين
فحق التعبير عن الرأي لا يُلغي حق الآخرين في الاختلاف، طالما أن هذه الآراء باختلافها لاتحرّض على القتل، ولا تجرّ إلى العنف.
وانطلاقاً من هنا، أدعو السوريين، كل السوريين، إلى وقفة ضمير وطنية، نتجاوز بها لغة التحزب السياسي والمذهبي، ونسمع فيها صوت العقل، فقد آن لنا أن نُدرك أن الأوطان لا تُبنى بتمجيد الأشخاص، ولا بتقديس الزعماء، بل بتعظيم القيم: العدالة، الديمقراطية، الحرية، الكرامة، والمحاسبة.
أنا لم أُمجّد بشار الأسد، ولن أمجد الشرع، ولا أي رئيس قد يأتي لاحقاً، لأن الرئيس، مهما كان اسمه، ليس أكثر من موظف عند الشعب، ومتى خرج عن هذا الدور، وجب مساءلته لا تبجيله.
أما هذه “السلطة” القائمة اليوم، فهي سلطة أمر واقع، لا شرعية لها في نظري، ما دمت – كمواطن – لم أضع صوتي في صندوق انتخاب حر ونزيه، فلا أحد يملك تمثيلي دون إرادتي.
ولا حكومة تستحق الاحترام إن لم تحترم الشعب أولاً.
في النهاية، تبقى دعوتي بسيطة وواضحة:
لنتوحد كسوريين، لا كطوائف.
لننتقد لنُصلح، لا لنُهين.
ولنتذكّر: أن الحرية التي نمتلكها، قد دفعنا ثمنها سلفاً… فلا تفرّطوا بها.
زر الذهاب إلى الأعلى