أخبار عبرية

الردع عبر الغموض: سلاح إسرائيل الأخطر!

في الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تشهر سلاحها إلى جانب فرنسا وبريطانيا خلال العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، كان هناك سلاح آخر يتشكّل بهدوء خلف الكواليس: مشروع نووي عسكري سري في عمق صحراء النقب. لم يكن الأمر مشروعًا علميًا بريئًا ولا ردًا على تهديدات آنية، بل خطة استراتيجية طويلة الأمد لتأسيس تفوق عسكري لا يُمس.

تحت واجهة “مصنع نسيج”، وبدعم فرنسي مباشر وتغاضٍ أميركي مدروس، بدأت إسرائيل بناء المفاعل النووي في ديمونة. كان المشروع ثمرة تَضافُر بين ثلاثة رجال: العالِم أرنست بيرغمان، والسياسي الشاب شمعون بيريز، ورئيس الوزراء دافيد بن غوريون، الذي رأى أن الردع النووي هو الضامن الوحيد لمنع “محرقة ثانية”.

لكن الحقيقة أبعد ما تكون عن “دفاعية” بريئة. فإسرائيل، التي لم تعترف رسميًا حتى اليوم بامتلاك السلاح النووي، أدارت مشروعها وفق فلسفة “الغموض المقصود”، حيث التهديد حاضر، دون وضوح، والابتزاز مستمر، دون مساءلة. هذه العقيدة، التي تُعرف داخل أوساط الأمن الإسرائيلي بـ”الخيار شمشون”، تستند إلى أسطورة توراتية عن محارب أعمته الهزيمة، فقرر أن يسقط المعبد على نفسه وعلى أعدائه.

البرنامج النووي لم يكن أداة ردع فحسب، بل ضمانة صلبة لمشروع استيطاني إحلالي قائم على القهر والسيطرة. فبينما ظل السلاح النووي سيفًا مرفوعًا في الظل، تكفّلت الأسلحة التقليدية بالإبادة والتهجير، كما نشهده اليوم في غزة.

اللافت أن واشنطن، رغم امتلاكها للأدلة، اختارت الصمت. كان ذلك الصمت جزءًا من صفقة سياسية وعاطفية غير مُعلنة: دعم غير مشروط لدولة لا تريد أن تكون “ضحية نازية” من جديد، ولو عبر امتلاك أدوات تفوقها على محيطها كله، أخلاقيًا وعسكريًا.

الردع الإسرائيلي، إذًا، لم يكن مجرد رد فعل على تهديد عربي، بل تأسيس مبكر لاختلال استراتيجي لا يزال قائماً. وحين خرج مردخاي فعنونو ليكشف الأسرار، لم يكن الخطر في ما قاله، بل في ما مثّله: خرق جدار الصمت الذي يغلف مشروعًا يهدد المنطقة بأسرها، لكن بعباءة “دفاعية”.

ربما لم تضغط إسرائيل حتى اليوم على الزر النووي، لكنها منذ 1948 تضغط على زنادٍ آخر، لا يقل دموية، ولا يحتاج إلى تفجير شامل كي يُبيد شعبًا ويشوّه جغرافيا كاملة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى