أخبار لبنانمقالات

حزب الله… مقاومةٌ ربحت المعارك وخسرت الحسابات الداخلية

ناصر خزعل

في زمنٍ تكثر فيه الحسابات وتقلّ المبادئ، وتُوزن التضحيات بميزان المصالح الضيّقه، يقف حزب الله كتجربة فريدة في الساحة اللبنانية: مقاومة صنعت النصر، لكنها اختارت ألّا تحكم … قوة امتلكت القرار، لكنها آثرت الشراكة على الهيمنة.

هذه السطور ليست مديحاً، بل وقفة نقد وتأمل في مسارٍ داخلي اختار فيه الحزب الأخلاق على السياسة، والتهدئة على التصعيد … فهل كوفئ على ذلك؟ أم طُعن من أقرب الطرق إلى القلب؟

منذ التحرير عام 2000، كُتبت بداية صفحة جديدة في تاريخ لبنان الحديث. حزب الله، بما راكمه من صبر وجهاد، استطاع أن يحقق إنجازاً عسكرياً لم تشهده الأمة منذ عقود: تحرير الأرض بلا قيد ولا شرط. ولم يكن ذلك النصر عابراً، بل لحظة مفصلية، تستحق أن تُبنى عليها دولة عادلة، ومعادلة جديدة للكرامة والسيادة.

لكن، وعلى خلاف ما فعلته المقاومات المنتصرة في العالم، لم يسلك حزب الله طريق الهيمنة أو الانتقام. لم يصادر الدولة، لم يصادر الدولة، لم يصفّ العملاء، ولم يفتح باب التصفيات، بل مارس تنازلاً  أخلاقياً فريداً في لحظة انتصار. كانت اليد المنتصرة ممدودة، لا مشهرة، وكان الهدف بناء وطن لا تحطيم خصم.

ثم جاءت حرب تموز 2006، فكتب الحزب بدمه وبصموده ملحمة كبرى، خرج منها مرفوع الرأس، لا باعتباره حزباً طائفياً، بل مقاومة وطنية حمت الكرامة الجماعية. وكان بإمكانه بعد تلك الحرب أن يفرض توازناً سياسياً حاسماً، أو أن يعيد تشكيل المعادلات الداخلية، كما تفعل كل القوى الخارجة من نار المعارك منتصرة… لكنه لم يفعل
بل أهدى النصر الى الشعب اللبناني.


مرّت السنين ، ووصلنا إلى أيار 2008، حين اتخذت الحكومة اللبنانية قراراتٍ مشؤومة بحق شبكة الاتصالات الخاصة بالحزب. ورغم أن ما جرى كان تهديداً مباشراً للعمود الفقري لأمن المقاومة، لم تكن ردة الفعل انقلاباً ولا طموحاً لإسقاط النظام . اقتصر الردّ على عملية محدودة، محكومة الهدف، منضبطة الإيقاع. دخل الحزب بيروت، لكنه لم يدخلها كغازٍ،  بل كمن يحمي ما تبقى من جسد الوطن. ترك المؤسسات تعمل،  والإعلام يبث، والأحزاب تُعبّر . ولو أراد يومها خلط الأوراق، لفعل، لكنه اختار، مرة أخرى، أن ينتصر أخلاقياً لا سياسيًا.

لم تكن تلك التنازلات غباءً سياسياً، بل رهاناً على شراكة وطنية حقيقية ، حلم بها الحزب، وآمن بها . لكن ما إن بدأت رياح الانتكاسة العسكرية تهبّ من بوابة الحرب الأخيرة، وما رافقها من خسائر وضغط دولي، حتى بدأت أوراق التحالف تتساقط . تخلّى بعض الحلفاء بصمت، والبعض الآخر بجحود، بينما ارتفعت أصوات مدعي السيادة من الداخل تطالب بنزع سلاح المقاومة، لا لسبب إلا لأنها لم تُدر صراع الداخل كما يُدار في حسابات النفوذ والمكاسب.

لقد مارس حزب الله سياسة داخلية لم تشبه أي تجربة سابقة :
مقاومة تملك أوراق القوة ، لكنها لا تلوّح بها في وجه شركائها…

طرف يحمي الدولة ، لكنه لا يحكمها …
فصيل يملك القدرة على فرض التوازن ، لكنه يفضّل “الوطن” على “السلطة”…

لكن ، في الخلاصة، “كان الثمن باهظًا” .

فالذين أُكرِموا بالأمان ، هم أول من شكّكوا في نوايا الحزب، والذين احتموا بثقته، كانوا أول من خذله.

*ويبقى السؤال*
في وطنٍ يفيض بالتنازلات ، ويجيد إنكار الجميل ، تُصبح الأخلاق السياسية سلاحاً لا يراه أحد ، ويُصبح الصمت موقفاً لا يُكافأ …

لقد اختار حزب الله أن ينتصر بأخلاقه ، لا بغلبته …
أن يحمي الوطن لا أن يحتكره ، وأن يُشيد الاستقرار على ركام التنازلات…
لكن في ميزان هذا الزمن ، يبدو أن الأخلاق تُفسَّر ضعفاً ، والحكمة تُحسب تردّداً.

فهل آن الأوان أن يُعاد النظر؟
ليس ليُبدّل الحزب هويته ، بل ليحفظ إنجازه، ويحمي دماء شهدائه من ضياع في زواريب النكران …..
ن . خ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى