أبو عبيدة… حين يصبح الصوت هدفًا عسكريًا

بقلم : ناصر خزعل
في زمنٍ تتداخل فيه الجبهات بين الميدان والكلمة، لم تعد الحرب تُخاض بالسلاح وحده ، بل باتت الأصوات المؤمنة بقضيتها تُعدّ من أخطر أسلحة المواجهة .
و”أبو عبيدة”، الناطق العسكري باسم كتائب القسام ، كان واحداً من تلك الأصوات التي أرعبت الاحتلال ، وألهمت الشعوب ، وأربكت الخصوم والحلفاء على السواء.
ومنذ بدء العدوان على غزة ، والعيون تتجه إلى شاشات البيانات، تترقّب كلماته بقدر ترقّب القبة الحديدية للصواريخ. كان حضوره الإعلامي أشبه بصوتٍ عميق من بئر الجراح الفلسطينية، يخرج في لحظة صمت رسميّ عربيّ مطبق ، ليقول ما لا يُقال، ويثبت ما يُنكَر.
واليوم ، مع ما يُتداول من أنباء عن محاولة اغتياله من قبل الاحتلال، دون أن تؤكد حركة حماس أو تنفي، تبدو المسألة أبعد من مجرد خبر.
إنه اعتراف إسرائيلي بأن هذا الصوت، لم يكن مجرد ناقل بيان … بل قائدٌ من نوعٍ آخر، يمسك بندقيةً من حروف، ويُطلق صواريخه من شاشات البيان.
أبو عبيدة لم يكن يظهر ليُزايد، بل ليُربك، ليضبط إيقاع الحرب، ويزرع في النفوس طمأنينة نادرة في زمن الفوضى. كان يشبه وجدان الفلسطينيين المقاومين: لا يُرى، لكن يُحسّ. لا يظهر كثيراً، لكنه إذا نطق، أعاد تشكيل وعي المرحلة.
وفي حال صحّت رواية الاغتيال، فإن الاحتلال لم يستهدف شخصًا، بل حاول اغتيال رمز، وإسكات نبرةٍ هزّت هيبته لسنوات.
وإن لم تصحّ، فقد حاول العدو دسّ بلبلة في الوعي، ظناً منه أن شائعة تُضعف المعنويات، أو أن وهم النصر يُخفي فشله الميداني، وهنا استشهد بقول لأحد المفكرين “إذا اردت ان تقتل انساناً فلا تطلق عليه رصاصه بل اطلق عليه شائعه”
والمعروف أن القتل المعنوي أشد وطأة من القتل الجسدي ….
ومع ذلك، يبقى “أبو عبيدة” ظاهرة في الإعلام المقاوم، لا تنتهي بتغييب ، ولا تسقط بإشاعة.
هو ذلك القائد الذي فهم أن المعركة ليست فقط على الأرض ، بل على الوعي …
وأن الصوت ، حين يكون نقياً، يصبح سلاحاً يُخيف العدو أكثر من أرتال الصواريخ.
ختاماً ، سواء كان حيّاً أو شهيداً، فإن أبو عبيدة بات جزءاً من الذاكرة الجمعية لأمةٍ تبحث عن صوتٍ يشبهها …
صوت لا يخاف ، لا يتراجع ، ولا يُساوم.
وإن عدنا لنسمع بيانه من جديد ، فستكون تلك هزيمةً أخرى للاحتلال …
وإن غاب ، فصدى صوته سيبقى دليلًا على أن الكلمة الحرة لا تُغتال ….
ن . خ




