سياسةمقالات

‎رياض سلامة: توقيع الخراب على شيك بلا رصيد

ناصر خزعل

في بلدٍ اعتاد على غياب العدالة، لا يبدو غريباً أن يتحوّل رمز الانهيار الاقتصادي إلى “شاهد” بدل أن يكون في قفص الاتهام. القضاء اللبناني اليوم يتّجه نحو إخلاء سبيل حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة، وكأن الكارثة التي دمّرت حياة ملايين اللبنانيين حدثت بفعل الصدفة لا التخطيط، وبإرادة الغيب لا إرادة الفساد.

رياض سلامة، الرجل الذي جلس على عرش المصرف المركزي ما يقارب الثلاثين عاماً، لم يكن مجرد موظفٍ إداري. كان مركز القرار المالي، وعرّاب الهندسات المالية التي راكمت ديون الدولة،  وكرّست نموذج الاقتصاد الريعي القائم على المضاربة لا الإنتاج، وعلى إرضاء المصارف لا حماية الفقراء.

منذ العام 1993، أدار سلامة اللعبة المالية بيدٍ من وهم . قدّم نفسه راعياً لاستقرار الليرة، بينما كان يبني قلاعاً من ورق. وفي خريف 2019، حين انهارت منظومته، لم يُفلس النظام فقط، بل أُفقِر شعبٌ بأكمله، وسُرقت مدّخراته، وتحطّم حلمه بحياة كريمة.

لا يمكن الحديث عن انهيار لبنان من دون وضع اسم رياض سلامة في صدر الصفحة. هو ليس “شاهداً على الانهيار”، بل شريك في صناعته، لا بل قد يكون المهندس الأبرز له ، بغطاءٍ سياسي داخلي ودعم ٍ خارجي لا ينكره أحد.

اليوم، ومع الحديث عن إطلاق سراحه، يصبح السؤال مشروعاً: هل يُمكن لبلدٍ أن ينهض إذا كان قضاؤه يُبرّئ رموز الانهيار ؟ وهل نُبني مستقبلًا على ركام العدالة ؟

رياض سلامة لا يحتاج لمحاكمة عادلة فقط ، بل لمحاكمة تاريخية. لأنه لم يختلس الأموال فحسب، بل اختلس الثقة من قلب اللبنانيين ، وأدار ظهره لكل من خسر وظيفته ، منزله ، طبّه، جامعته ، عمره…

إخلاء سبيله ، أو غضّ النظر عن محاسبته ، هو صفعة جديدة للعدالة ، وندبة عميقة في وجه كل مواطن لا يزال يصرّ على أن في هذا البلد بقية من ضمير .

لبنان اليوم لا يحتاج فقط إلى تغيير سياسي، بل إلى عدالة لا تخاف، تقف في وجه كل “حاكم” مارس سلطته كملكٍ لا يُسأل ولا يُحاسَب .

فليُترك رياض سلامة للقضاء … ولكن قضاء الشعب لن يُغلق ملفه، حتى تعود الأموال ، وتُعاد الكرامة ، ويُقال للفاسد:
(كفى)
ن . خ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى