أخبار اقليميةأخبار لبنان

بين التحدّي والدعوة إلى الحوار … قراءة تحليلية في خطاب الشيخ نعيم قاسم (19 أيلول 2025)

بقلم: حسين عبدالله

في خطاب ألقاه الشيخ نعيم قاسم، الأمين العام لحزب الله، مساء الجمعة 19 أيلول 2025، جمع الرجل بين تأبّي شهداء «وحدة الرضوان» وبين مواقف سياسية واضحة: تجديد التأكيد على خيار السلاح كخط أحمر موجه ضد «العدو الإسرائيلي» فقط، وفي الوقت نفسه توجيه دعوة غير مسبوقة إلى المملكة العربية السعودية لفتح «صفحة جديدة» والانخراط في حوار يعلو على الخلافات السابقة. هذه المزجية بين اللهجة التصعيدية إزاء العدو والخطاب الانفتاحي إقليمياً هي ما يتطلب قراءة دقيقة لفهم ما تغير فعلاً في لهجة الحزب وغايات هذه الدعوة. فما الذي تغيّر في لهجة ومضمون الخطاب مقارنةً بالخطاب السابق؟

لا تزال المحاور الأساسية، أي العداء لإسرائيل ورفض نزع السلاح والتأكيد على الطابع المقاوم، ثابتة، لكن ما تغيّر هو افتتاحية نقصان العداء المباشر تجاه بعض العواصم العربية واستبداله بدعوة إلى «حوار» و«فتح صفحة جديدة». هذه ليست تراجعاً عن الموقف الأيديولوجي، بل تغيير في قنوات التعبير: من خطابات الاستنفار والحشد المباشرة إلى محاولة فتح قنوات تفاهم إقليمية. كما أن الخطاب حشّد فكرة أن سلاح المقاومة موجّه فقط لإسرائيل ولا يُهدِف لأي من دول الجوار، وسعى لعرض تجربة الحزب كفاعل شارك في مؤسسات الدولة كالانتخابات والحكومة كدليل على «براغماتية» التشغيل السياسي. هذا التعديل الاستراتيجي يهدف إلى تهدئة مخاوف داخلية وخارجية في آنٍ واحد. في المقابل، النبرة الدينية والبطولية لم تتغير: استهلال الخطاب بتأبّي الشهداء واستحضار المرجعيات الإيمانية والحديث عن «الولاء» و«الجهاد» يؤكد استمرار الاستراتيجية الرمزية لربط المقاومة بالهوية الدينية والوطنية، وهي أداة ضرورية للحفاظ على الداخل الجماهيري.

ولعلّ السؤال الأبرز: لماذا يخاطب الشيخ قاسم السعودية تحديداً؟ دوافع هذا التوجّه متعددة. أولها الضغط الدولي والاقليمي على لبنان وحزب الله، حيث جاء الخطاب في سياق ضغوط متزايدة من واشنطن والرياض وغيرهما، بما يشمل المطالبات بنزع السلاح وحملات الضغط الدبلوماسية؛ وبالتالي قد تكون الدعوة للحوار محاولة لاحتواء هذا الضغط وتقليص هامش العقوبات أو العزلة السياسية. ثانيها السعي لتقليل المخاطر الأمنية والاقتصادية على الداخل اللبناني، فالسعودية فاعل إقليمي مهم في التمويل والدعم، وأي توتر معها ينعكس بسرعة على لبنان اقتصادياً ودبلوماسياً، وفتح صفحة جديدة قد يهدف إلى تفادي خطوات عقابية أو تجميد مساعدات تؤثر على قطاعات واسعة من اللبنانيين. ثالثها استثمار تغيرات إقليمية كشفت الخطر الإسرائيلي والأميركي، إذ عرض الخطاب تصوراً يعتبر أن استهدافات خارج غزة، مثل ما اعتبره قاسم «ضربة قطر»، تؤشر إلى مشروع توسّعي يستوجب جبهة عربية/إقليمية أوسع، وفي هذا السياق يمكن أن تُعتبر السعودية شريكاً أساسياً لتشكيل جبهة ردع أو على الأقل لتقليص فاعلية سياسات استهداف المقاومة.

تحليل الخطاب يكشف مقاصد مضمرة وآليات بلاغية دقيقة. المقصد الداخلي الأول هو طمأنة القاعدة الشعبية، إذ استعاد الخطاب ذهنية الشهادة والتضحية لتثبيت الدعم، مع تأكيد أن «التعبئة متبادلة» لإيصال رسالة بأن القيادة لا تحتاج إلى حملات تعبئة تقليدية لأنها تستمد شرعيتها من الجمهور، وهو ما يهدف إلى منع أي شرخ داخلي إذا انخرط الحزب في حوار مع السعودية. المقصد الداخلي الثاني هو تهديد ضمني للخصوم، إذ جاء التذكير بكون الضاغطين من أميركا والسعودية وغيرهما يخدمون إسرائيل كمحاولة لإدانة أي تعاون داخلي ضد حزب الله باعتباره «خدمة للعدو». أما المقصد الخارجي فيتمثل في اختبار ردود الفعل، إذ إن الدعوة العلنية إلى الرياض اختبرت الأجواء الإقليمية والدولية؛ فإن تلقّت الدعوة رداً إيجابياً، فهذا يُكسب الحزب ورقة تفاوضية، وإن رُفضت فسيُبرّر الحزب لاحقاً أي خطوات دفاعية باعتبارها نتيجة «عدم تجاوب العرب». أما الآليات البلاغية فتمثّلت في مزج القداسة مع الواقعية، أي الجمع بين الإيمان والمصلحة، والإحالة إلى أمثلة تاريخية كفرعون والمجازر لخلق سردية أخلاقية، واللجوء إلى لغة مزدوجة تتحدث عن «الحوار» مع إبقاء «السلاح خطاً أحمر» ليبقى كل شيء مفتوحاً على الاحتمالات.

لكن، لهذه الدعوة نقاط ضعف كما تحمل فرصاً. من ناحية الضعف، فإن ثقة الرياض وواشنطن ليست مضمونة، والسعودية صنفت الحزب سابقاً خصماً مباشراً، كما أن قيودها تحكمها حسابات إقليمية داخلية، ما يجعل تحويل هذه الدعوة إلى تفاهمات عملية بحاجة إلى ضمانات متبادلة وقرائن سياسية وميدانية واضحة. كذلك فإن أي تباين داخل محور طهران – بيروت – دمشق قد يقوّض مرونة الحزب. ومن ناحية الفرص، إذا نجحت الاتصالات، فقد تفتح نافذة لخفض التصعيد، ولحماية المدنيين اللبنانيين، ولإدخال لبنان في مسارات إعمار وتمويل قد يخفف من أزماته الاقتصادية الخانقة، وكل ذلك دون أن يفقد الحزب روافعه الميدانية بالضرورة.

في الخلاصة، الدعوة التي وجهها الشيخ نعيم قاسم إلى السعودية لا تُقرأ كتراجع أيديولوجي ولا كتغيير جوهري في الخطوط الحمراء، بل كخطوة تكتيكية تحمل طابع اختبار جاد للأرضية الإقليمية والدولية. الحزب يريد تحديث قنصله الدبلوماسي مع الحفاظ على «الخط الأحمر» العسكري أمام إسرائيل. بالنسبة إلى لبنان، هذه الدعوة إما أن تفتح نافذة لتخفيف الاحتكاك وتحسين شروط البقاء الاقتصادي والدبلوماسي، وإما أن تتحوّل إلى مادةٍ جديدة من الصدامات الكلامية إذا لم تُترجم إلى ضمانات عملية. في كل الأحوال، عبّر الخطاب بوضوح عن مزيج من القوة والحرص على المناورة، وهي وصفة تحتاج إلى نوايا واضحة وردود فعل عملية من الطرف الآخر لتتحول من خطاب إلى واقع. لبنان يقف اليوم أمام لحظة فارقة: إمّا أن يتحوّل الخطاب إلى فرصة نادرة للانفراج، وإمّا أن يصبح عنواناً لجولة جديدة من التجاذبات الإقليمية التي لا تنتهي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى