في حوار خاص المخرج محمد خميس يكشف أسرار الإخراج ورؤيته للهوية الفلسطينية!

في زمن تتداخل فيه الأحداث السياسية والاجتماعية مع الفنون، يبرز المخرج الفلسطيني محمد خميس كواحد من أبرز الأسماء في عالم الإخراج. في حوار خاص مع “Arabic Daily News”، يكشف خميس عن رؤيته العميقة للقب الفلسطيني، وكيف يشكل هذا اللقب جزءاً من هويته الفنية والإنسانية. كما يتناول التأثيرات المتزايدة للأحداث العالمية على صناعة السينما، مشيراً إلى كيف يمكن للفن أن يكون أداة للتغيير والتعبير. يناقش أيضًا رسالته في فيلمه “ثلاث قصص من غزة” . لا تتوقف تطلعاته عند حدود الحاضر، بل يمتد طموحه نحو المستقبل حيث يشاركنا خططه وأفكاره الجديدة.

المخرج الفلسطيني محمد خميس لقب الفلسطيني كيف تعتبره اليوم ؟
بصراحة، أشعر دائماً بمسؤولية كبيرة عندما أحمل هذا اللقب، لأنني أقدم عملاً يتحدث عن فلسطين وآلامها وقضاياها ومعاناتها التي تعيشها يوميًا. وعندما أقدم شيئًا عن فلسطين، أشعر بالفخر كوني جزءًا من هذا الجيل الشاب الذي قدم أعمالًا عن فلسطين في كل الشتات، وأنا فخور بأن يُذكر هذا اللقب في كل مكان، لأنه لولا هذا اللقب لما كانت هناك استمرارية للعمل.
كيف أثرّت الأحداث في العالم العربي على الإخراج و المخرجين ؟
لقد كان للأحداث التي شهدها العالم العربي تأثير كبير على الإخراج والمخرجين. بعد الثورات والحروب والأزمات، ظهرت مواد خام قوية للحكي، قصص حقيقية مؤلمة، ودراما جاهزة من قلب الشارع.
تأثر الكثير من المخرجين وبدأوا يميلون نحو الواقعية أكثر، حيث يصورون الحياة كما هي، بدون تزيين. على سبيل المثال، بدلاً من أن يكون الفيلم مليئًا بالاستوديوهات والإضاءة الفخمة، بدأوا يعملون بالكاميرا المحمولة، بين الناس، في الطبيعة.
كما أن الأحداث غيرت عقلية المخرجين: أصبح هناك شجاعة أكبر للحديث عن السياسة، عن الحرية، عن القمع، وعن آلام الناس. وفي المقابل، هناك من خاف أو اضطر للهجرة ليتمكن من العمل بحرية.
باختصار، جعلت الأحداث المخرج العربي إما يخرج عملًا واقعيًا وجريئًا ومليئًا بالصدق، أو يواجه تحديات كبيرة مثل الرقابة والتهديد وحتى قلة الدعم المادي.
فيلمك “ثلاث قصص من غزة” حصد جائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان السينما والبحر للدورة 11 في المغرب ،أخبرنا عن هذا النجاح ؟
فيلمك “ثلاث قصص من غزة” حصد جائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان السينما والبحر للدورة 11 في المغرب. بصراحة، إذا أتيحت لي فرصة لتقديم مشروع سينمائي جديد، سأقوم بعمل فيلم يتحدث عن الذاكرة الفلسطينية، ليس كأحداث سياسية فحسب، بل كحياة يومية: الطعام، اللعب، الحب، الموسيقى، وحتى اللحظات الصغيرة التي تختفي تحت الركام.
فيلم “ثلاث قصص من غزة” هو رواية مختلفة وجديدة، وعندما عُرض في المغرب، ترك أثرًا كبيرًا لدى الجمهور المغربي. بالطبع، كان فوز الفيلم فخرًا كبيرًا لي، خاصة في مهرجان يعتبر مهمًا في المغرب وله جمهور كبير، وهذا منحني مسؤولية الاستمرار.
كيف ترى تأثير التطور و التكنلوجيا و بالأخص الذكاء الإصطناعي على السينما و صناعة الأفلام ؟
لقد قَلبَ التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي لعبة السينما رأسًا على عقب. في الماضي، كنا بحاجة إلى ميزانيات ضخمة لصنع مؤثرات بصرية أو خلق عوالم خيالية، أما اليوم، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصنع لك مشهدًا كاملًا وأنت جالس على اللابتوب.
يسهل الذكاء الاصطناعي أيضًا على المخرجين كتابة أفكار أو حتى سكربت أولي، توليد موسيقى أو أصوات، إجراء المونتاج أو تصحيح الألوان بشكل أسرع بكثير، وحتى خلق شخصيات أو وجوه غير موجودة أساسًا.
يعني أنه يفتح بابًا واسعًا للإبداع، خصوصًا لمن لا يملكون تمويلًا كبيرًا. لكن في نفس الوقت، هناك خوف من أن يقلل من فرص العمل للناس (مثل المصممين أو المونتيرين)، وأيضًا يمكن أن يقتل روح الأصالة إذا زاد الاعتماد عليه.
لذا، يمكن اعتبار الذكاء الاصطناعي كالسلاح: في يد المخرج المبدع، يصبح أداة قوية توسع الخيال، وفي يد شخص مستعجل، قد ينتج عملًا باهتًا وفارغًا.
كيف تتعامل مع مسائل التمويل و الإنتاج ؟ وما هي النصائح التي تقدمها للمخرجين الناشئين ؟
موضوع التمويل والإنتاج دائمًا ما يكون مصدر قلق لأي مخرج، خصوصًا المبتدئ. يمر معظم المخرجين بنفس المعضلة: لديك فكرة قوية، لكن لا توجد أموال كافية لتنفيذها.
عادةً ما يحدث ما يلي: يبدأ البعض بأبسط الإمكانيات، مثل كاميرا صغيرة، وأصدقاء يمثلون، ومواقع تصوير طبيعية. المهم هو أن يظهر العمل بشكل صادق. وهناك من يبحث عن منح ومؤسسات داعمة للسينما (محلية أو دولية). المنح تفتح الأبواب، لكنها تتطلب صبرًا وورقًا وعملًا إداريًا. أحيانًا، تكون الشراكة مهمة: يمكنك العثور على منتج أو فريق صغير يؤمن بالمشروع ويعمل معك بشغف، وليس فقط من أجل المال.
نصائحي للمخرجين الجدد:
– ابدأ بإمكانياتك: لا تنتظر المليون لتصوير فيلم. اعمل بما لديك وتعلم.
– كوّن شبكة علاقات: التعارف في المهرجانات، ورش العمل، أو حتى عبر وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن يجلب لك شراكات وتمويلات.
– كن مرنًا: إذا كانت الميزانية محدودة، قم بتعديل السيناريو ليتناسب مع الواقع دون أن تفقد جوهر الفكرة.
– قدم لمهرجانات صغيرة: ليس من الضروري أن تبدأ بمهرجانات كبرى مثل كان أو برلين. المهرجانات المستقلة تعطي فرصًا وعلاقات.
– آمن بفكرتك: إذا لم تكن مقتنعًا بقوة قصتك، فلن يقتنع أحد بدعمك.
–
غزة تُباد على الهواء مباشرةً و عملية تهجير ممنهجة للفلسطنيين ، ماذا يقول محمد خميس للعالم العربي الصامت ؟
إذا كان محمد خميس سيخاطب العالم العربي الصامت، فسيكون كلامه مليئًا بالألم والغضب:
“يا جماعة، غزة تُباد أمام أعينكم، ليس في الخفاء، بل على الهواء مباشرة! أطفال يموتون، عائلات تُمحى، وتهجير واضح وممنهج. وأين أنتم؟ ساكتون!
الصمت في مثل هذه اللحظات جريمة والحياد خيانة نحن لا نطلب المستحيل بل نطلب صوتاً ، موقفاً وقفة رجال ، التاريخ سيسجل والذين صمتوا اليوم سيُذكرون بأنهم تخلفوا عن دعم فلسطين، عن غزة، وعن إنسانيتهم.
إذا لم تتمكنوا من وقف المجزرة، على الأقل لا تطبعوا مع القاتل ولا تلمعوا صورته. اجعلوا أصواتكم مع الناس الذين تحت الركام، وليس مع من يقصفهم.
في الختام ، إذا كان لديك فرصة لتقديم فكرة أو مشروع سينمائي جديد ، فما هو هذا المشروع ولماذا هو مهم بالنسبة لك ؟
إذا أتيحت لي فرصة لتقديم فكرة أو مشروع سينمائي جديد، سأقوم بعمل فيلم يتحدث عن الذاكرة الفلسطينية، ليس كأحداث سياسية فحسب، بل كحياة يومية: الطعام، اللعب، الحب، الموسيقى، وحتى اللحظات الصغيرة التي تختفي تحت الركام.
لماذا هو مهم بالنسبة لي؟
لأن العالم اعتاد على رؤية فلسطين إما كحرب أو كأخبار عاجلة، لكنه لا يرى الإنسان الذي بداخلها. أريد توثيق الروح قبل المكان، وأجعل الأجيال الجديدة ترى أن هناك حكايات أكبر من القصف والدمار، هناك حياة يجب أن تُروى وتُخلد في السينما.
هذا الفيلم سيكون بمثابة “ذاكرة جماعية”، شهادة لا يمكن أن تُمحى، مهما حاولوا إلغائنا أو محو وجودنا.
إعداد وحوار : محمد وسوف




