كتبت هنادي عباس:
في المجتمعات الحديثة لم تعد الكلمة مجرد وسيلة للتعبير، بل تحولت إلى أداة قادرة على تشكيل الرأي العام وصناعة المزاج الاجتماعي والسياسي. ومع تطور الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، تضاعفت قوة الخطاب السياسي والإعلامي، فأصبح قادراً على الوصول إلى ملايين الناس خلال لحظات. غير أن هذا التطور، رغم ما يحمله من تعزيز لحرية التعبير والتعددية، فتح الباب أيضاً أمام انتشار خطاب الكراهية والتحريض.
ويُقصد بخطاب الكراهية كل تعبير يتضمن تحريضاً على التمييز أو العداء أو العنف ضد فرد أو جماعة بسبب انتمائهم الديني أو الطائفي أو العرقي أو السياسي. وتزداد خطورة هذا النوع من الخطاب عندما يصدر عن شخصيات سياسية أو إعلامية مؤثرة، قادرة على تعبئة الجماهير وتوجيه الرأي العام، الأمر الذي قد يحول الكلمة من رأي سياسي إلى أداة لإشعال الانقسامات الاجتماعية.
في لبنان، حيث يقوم النظام السياسي والاجتماعي على تعددية طائفية دقيقة، يصبح خطاب الكراهية أكثر خطورة. فالتجربة اللبنانية أثبتت أن التحريض الطائفي لا يبقى في إطار الكلام، بل قد يتحول سريعاً إلى توترات اجتماعية أو صراعات سياسية تهدد السلم الأهلي.
رغم ذلك، لا يتضمن التشريع اللبناني حتى اليوم نصاً صريحاً يجرّم خطاب الكراهية كمفهوم قانوني مستقل، بل يكتفي بمعالجة بعض مظاهره من خلال نصوص متفرقة، أبرزها المادة 317 من قانون العقوبات التي تعاقب على إثارة النعرات الطائفية والتحريض على النزاع بين الطوائف. كما ينظم قانون المطبوعات بعض جوانب الخطاب الإعلامي التحريضي. غير أن هذه النصوص وضعت في زمن كانت فيه وسائل الإعلام محدودة، قبل ظهور الفضاء الرقمي الذي أصبح اليوم المنصة الأوسع لنشر الخطابات السياسية والإعلامية.
وهنا يبرز دور القضاء اللبناني الذي حاول، من خلال الاجتهاد القضائي، سد بعض الثغرات التشريعية عبر التمييز بين النقد السياسي المشروع الذي تحميه حرية التعبير، وبين الخطاب الذي يتجاوز هذا الحد ليصبح تحريضاً على الفتنة أو الكراهية. ومع ذلك، فإن الاعتماد على الاجتهاد القضائي وحده لا يكفي في ظل اتساع انتشار الخطاب التحريضي عبر المنصات الرقمية.
أما على المستوى الدولي، فقد سعت المواثيق الدولية إلى تحقيق توازن دقيق بين حماية حرية التعبير ومنع خطاب الكراهية. فالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يؤكد حرية التعبير، لكنه في الوقت نفسه يلزم الدول بحظر الدعوات إلى الكراهية القومية أو الدينية التي تشكل تحريضاً على التمييز أو العنف.
إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في قمع حرية التعبير، بل في تنظيمها ضمن إطار يحمي المجتمع من التحريض والانقسام. فحرية التعبير هي حجر الأساس في أي نظام ديمقراطي، لكنها تفقد مشروعيتها عندما تتحول إلى أداة لنشر الكراهية أو التحريض على العنف.
من هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى تطوير الإطار القانوني اللبناني بما يواكب التطور التكنولوجي وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، عبر وضع تعريف قانوني واضح لخطاب الكراهية، وتعزيز آليات المساءلة القانونية، إلى جانب ترسيخ ثقافة إعلامية وسياسية مسؤولة تقوم على الحوار واحترام التنوع.
فالكلمة التي تُستخدم للتحريض قد تشعل نزاعاً، لكن الكلمة المسؤولة قادرة أيضاً على حماية المجتمع وتعزيز السلم الأهلي. وبين هذين الخيارين يتحدد مستقبل الخطاب
هنادي عباس
كاتبة وباحثة سياسية
زر الذهاب إلى الأعلى