مقالات

خطة ترامب… سلام معلب وحرب مستمرة

منذ إعلان الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب خطته الجديدة للسلام في غزة، اشتعل الجدل السياسي والإعلامي حول جدّيتها وفرص تطبيقها. فالرؤية التي جرى تسويقها على أنها “مبادرة ثورية لسلام أبدي”، بدت لكثيرين أقرب إلى إعادة صياغة للأهداف الإسرائيلية نفسها، لكن بغطاء أميركي ودولي أوسع.

 

إن الخطة تنصّ على وقف فوري لإطلاق النار، تبادل للأسرى، وانسحاب مرحلي للقوات الإسرائيلية من غزة. لكنها في المقابل تشترط تفكيك حركة حماس عسكريًا وسياسيًا، وإنشاء إدارة دولية مؤقتة للقطاع بإشراف ما يشبه “مجلس سلام” ترعاه واشنطن. كما تتضمن وعدًا أميركيًا بمنع إسرائيل من ضمّ الضفة الغربية، مقابل تجميد أي مسعى لتنفيذ إعلان الدولة الفلسطينية في المدى القريب.

فمعظم العواصم العربية والإسلامية الكبرى — مثل السعودية، مصر، قطر وتركيا — سارعت إلى الترحيب بالجهود الأميركية، معتبرة أنها فرصة لوقف الحرب المستمرة منذ عام تقريبًا، لكنها لم تدرك أن الترحيب يعني الموافقة على تحمل العبء الذي تفرضه الخطة، والقضاء على حماس. أما السلطة الفلسطينية، فوجدت في الخطة مخرجًا سياسيًا مؤقتًا، فيما أيّدت أوروبا وواشنطن الطرح باعتباره “الفرصة الأخيرة لإنقاذ غزة من الدمار”.

لكن على الأرض، لم يتغيّر الكثير. فإسرائيل واصلت عملياتها العسكرية في غزة، مسقطة عشرات الشهداء يوميًا، فيما رأت حماس أن الخطة “إملاءات أحادية” تستهدف نزع سلاحها وإقصاءها من المشهد. حتى داخل إسرائيل، هاجم وزراء يمينيون متشدّدون بنود الخطة معتبرين أنها تقيّد اليد الإسرائيلية في غزة.

وهنا لا بد من السؤال الحقيقي للأمر لماذا لم يقترب ترامب من حل الدولتين؟

كان من الممكن أن تكون هناك مقاربة أقرب إلى حل الدولتين، الذي يشكل الإطار الأكثر قبولًا دوليًا منذ اتفاقيات أوسلو، لكن الخطة اختارت مسارًا مختلفًا لأسباب عدة:

 1. الانحياز لإسرائيل: الاعتراف بالقدس كعاصمة ودعم الاستيطان جعل أي حل متوازن صعب التطبيق.

 2. إضعاف الموقف الفلسطيني: الخطة تفرض على الفلسطينيين الاستسلام لشروط مسبقة، وتحميلهم مسؤولية أي فشل.

 3. حسابات سياسية داخلية أميركية: الخطة خدمت مصالح ترامب وتحالفاته أكثر من حقوق الفلسطينيين.

 4. إعادة تعريف السلام كإخضاع: السلام في الخطة ليس تسوية عادلة، بل وسيلة لإعادة توزيع القوة لصالح إسرائيل.

ومن واقع مأساوي تأتي المعضلة الحقيقية تكمن في أنّ الخطة لا تعطي الفلسطينيين أي ضمانات: لا حقّ العودة، لا أمان من العدوان، ولا ثقة بأن إعادة الإعمار ستتم بعيدًا عن الهيمنة الإسرائيلية. إنها سلام على الورق، وحرب في الواقع.

وبين ابتسامات ترامب الاستعراضية، وترحيب بعض القادة العرب، يظل الفلسطينيون أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الاستسلام لشروط لا تضمن مستقبلهم، أو مواصلة صمود مكلف لا يُعرف إلى أين قد يقود. أي مبادرة تتجاوز العدالة كأساس وتتجاهل حقوق الشعب الفلسطيني لا يمكن أن تُسمّى سلامًا.

هنادي عباس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى