الرأي
بين الامتعاض والتأييد: الخليج وإسرائيل في لحظة إعادة تشكيل الشرق الأوسط

كتبت هنادي عباس:
لم يعد الموقف الخليجي من الكيان الإسرائيلي مجرّد تباينٍ عابر في الآراء، بل تحوّل إلى مرآةٍ دقيقة لمرحلة إقليمية تُعاد فيها صياغة التوازنات والاصطفافات. فالمشهد اليوم يتجاوز حدود التطبيع أو الرفض، ليغوص في عمق التحولات الاستراتيجية التي تعصف بالشرق الأوسط، حيث تتداخل السياسة بالأمن، وتتقدّم البراغماتية على الشعارات، دون أن تلغيها بالكامل.
منذ اتفاقيات أبراهام، دخلت المنطقة في مسار جديد، اندفعت فيه دول خليجية مثل الإمارات العربية المتحدة والبحرين نحو إقامة علاقات علنية مع إسرائيل، في خطوة عكست تحوّلًا في مفهوم التهديدات والأولويات. لم يكن هذا التحول قائمًا على تبدّل في القناعات بقدر ما كان استجابةً لحسابات دقيقة، أبرزها مواجهة النفوذ الإيراني وتعزيز الشراكة مع الولايات المتحدة الأمريكية، إلى جانب السعي لاقتناص فرص اقتصادية وتكنولوجية.
غير أنّ هذا المسار لم يشكّل إجماعًا خليجيًا. فقد اختارت المملكة العربية السعودية موقعًا أكثر تريّثًا، متمسكةً بإطار المبادرة العربية للسلام، التي تربط أي اعتراف بإسرائيل بقيام دولة فلسطينية مستقلة. هذا الموقف لم يكن جامدًا بقدر ما كان مدروسًا، إذ حرصت الرياض على إبقاء قنواتها مفتوحة دون أن تقدم على خطوة نهائية، مدركةً أن ورقة التطبيع لا تزال إحدى أهم أدواتها في التفاوض الإقليمي والدولي.
ومع اندلاع عملية طوفان الأقصى وما تلاها من حرب على غزة، ثم امتداد التوتر إلى لبنان، ازداد المشهد تعقيدًا. ففي حين ارتفعت وتيرة الإدانات العربية للانتهاكات الإسرائيلية، برزت في المقابل محاولات حثيثة لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة. هنا تحديدًا، بدا الموقف السعودي تجاه لبنان أكثر وضوحًا في تمسّكه بثلاثية: دعم الاستقرار، رفض التصعيد، والتأكيد على أولوية الحل السياسي.
في خضم هذه التحولات، برز لبنان كحالة استثنائية تعكس حجم الضغوط والتشابكات. فقد دخل في مسار تفاوضي غير مباشر مع إسرائيل عبر اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة الأمريكية، في خطوة حملت طابعًا تقنيًا واقتصاديًا، لكنها في جوهرها شكّلت سابقة في كسر الجمود التقليدي. ومع تصاعد التوترات في الجنوب لاحقًا، عاد الحديث عن قنوات تفاوض مباشر دبلوماسي لضبط الإيقاع الميداني ومنع الانفجار، وفي الحقيقة كان هروباً نحو المجهول الأكثر تعقيداً في ظل رفض شعبي له مما يؤدي الى تفاقم الأزمة في ظل تغيبه للمعاناة التي يتحملها لبنان باستباحة أراضيه واستمرار العدوانية الإسرائيلية والتدمير الممنهج الذي يعتمده بشكلٍ فاجر
غير أنّ هذا المسار اللبناني لم يلقَ دعمًا سعوديًا واضحًا، ليس رفضًا للبنان بقدر ما هو اعتراض على النهج المجتزأ في إدارة الصراع. فالسعودية تنظر إلى أي تفاوض منفصل على أنه يضعف الإطار العربي الشامل، ويمنح إسرائيل مكاسب دون مقابل سياسي حقيقي في الملفين الفلسطيني ولبناني. كما أنّ التعقيد في الداخلي اللبناني، وتعدد مراكز القرار فيه، يجعلان من أي اتفاق عرضة للتقلبات، ما يقلل من جدواه الاستراتيجية في نظر الرياض.
في المقابل، لا يمكن فهم ما يجري في المنطقة باعتباره “حربًا كونية” بالمعنى المطلق، بل هو أقرب إلى صراع نفوذ متعدد المستويات، تتواجه فيه إيران وإسرائيل بشكل غير مباشر، وتديره قوى دولية بحذر شديد لمنع خروجه عن السيطرة. ويؤكد ذلك توقيع الاتفاق السعودي الإيراني في بكين برعاية الصين، والذي عكس إرادة إقليمية لخفض التوتر بدل توسيعه، حتى في ذروة التصعيد.
في ضوء ذلك، تبدو دول الخليج اليوم في قلب المعادلة، لا على هامشها. فهي تمسك بخيوط دقيقة بين تحالفاتها التقليدية مع واشنطن، ومحاولات التهدئة مع طهران، والانفتاح الحذر على إسرائيل. هذا التوازن ليس ضعفًا بقدر ما هو إدارة محسوبة للمخاطر، في منطقة لم تعد تحتمل المغامرات الكبرى.
وبالتالي لا يمكننا هنا أن نختزل المشهد الخليجي بين تأييد وامتعاض فقط، ولا فهمه بمعزل عن السياق الأوسع لإعادة تشكيل النظام الإقليمي فلبنان الآن يفاوض تحت ضغط النار وتحت الواقع المر، والخليج يناور ضمن حسابات معقّدة، فيما تواصل المملكة العربية السعودية تموضعها كقوة تفضّل الانتظار الاستراتيجي على القفز في المجهول. وبين كل ذلك، تبقى المنطقة مفتوحة على مرحلة طويلة من إعادة التموضع في ظل الحرب مع إيران، التي تتمسك بالورقة اللبنانية كجزء من الإتفاقية والضغط على الإمريكي لردع إسرائيل في المنطقة حيث لا غالب نهائيًا بعد، بل خرائط جديدة قيد التشكّل مما قد يفتح المنطقة على جولة ثالثة لربما تكون الحاسمة لخلق نظام عالمي جديد، وهنا يبقى السؤال الأهم هل المعادلات الجديدة سترفع فيها الراية الإسلامية والعربية موحدة أم تظل ضمن دائرة صراع لا غالب ولا مغلوب؟!.
هنادي عباس
كاتبة وباحثة سياسية




