أخبار لبنانالرأي

عماد أمهز: اعتراف تحت القهر وسلاح ابتزاز للسيادة اللبنانية

اعتراف تحت العدسة لا فوق الحقيقة: كيف استُخدم فيديو الأسير عماد أمهز كأداةً جيوسياسية لابتزاز بحر لبنان وإعادة تشكيل معركة القرار السيادي

لم يكن ظهور القبطان اللبناني الأسير عماد أمهز في تسجيل مصوّر بعد عام كامل من احتجازه حدثاً عفوياً ولا تفصيلاً إعلامياً عابراً يمكن قراءته بمنطق “الاعتراف” أو “التعاون”. ما جرى هو فعل سياسي مدروس أُخرج في لحظة إقليمية دقيقة حيث تتشابك ملفات الأمن والبحر والطاقة والضغط الدولي على لبنان في آن واحد. إسرائيل التي امتنعت طوال عام عن الاعتراف المباشر بعملية الأسر لم تكن تفتقر إلى المعلومة ولا إلى القدرة على النشر بل كانت تنتظر اللحظة التي يصبح فيها الفيديو أداة وظيفية داخل مشهد أوسع من مجرد صراع أمني تقليدي.

التوقيت هنا هو المفتاح. فالفيديو خرج إلى العلن بينما يقترب لبنان من الإعلان عن إنجاز مرحلة أساسية من خطة الجيش اللبناني جنوب الليطاني في سياق تفاهمات دولية تهدف إلى إعادة ضبط المشهد الأمني هناك. هذا التطور يفرض تلقائياً إعادة طرح السؤال حول وظيفة السلاح ودوره ومكانه لكنه في الوقت نفسه يسحب من إسرائيل ذريعة أساسية لطالما استثمرتها في خطابها السياسي. ومع تراجع فاعلية هذه السردية البرية كان لا بد من نقل مركز الثقل إلى ساحة جديدة أكثر حساسية بالنسبة للغرب وهي البحر.

من هنا لا يمكن فصل هذا الفيديو عن البعد البحري للصراع ولا عن المرحلة التي تلت ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وقبرص وما فتحه ذلك من أبواب استثمارية مرتبطة بالغاز والطاقة. لبنان لم يعد مجرد دولة متنازع على حدودها بل بات طرفاً محتملاً في معادلة الطاقة في شرق المتوسط وهذا التحول يفرض على خصومه الانتقال من منطق الاشتباك العسكري إلى منطق التشكيك بالأهلية السيادية وبالبيئة الآمنة للاستثمار. الفيديو يؤدي هذه الوظيفة بدقة لأنه لا يخاطب الرأي العام اللبناني بقدر ما يخاطب المستثمرين والدول المعنية بأمن الطاقة ويزرع الشك في استقرار البحر اللبناني عبر ربطه بسردية “الخطر غير الدولتي”.

اختيار ضابط بحري لبناني لم يكن صدفة بل رسالة رمزية واضحة تهدف إلى بناء رابط ذهني بين القدرات البحرية اللبنانية أو المحسوبة على لبنان وبين تهديد الملاحة وخطوط الغاز. بهذا المعنى لا يعود الأسير فرداً بل يتحول إلى أداة لإعادة تصنيف الصراع وإعادة رسم صورته في الأذهان الدولية. إسرائيل لا تقول إن لديها أسيراً بل تقول إن البحر اللبناني ليس محايداً وإن أي استثمار فيه يجب أن يمر عبر بوابة سياسية وأمنية تفرضها موازين القوة الإقليمية.

أما على المستوى النفسي فإن محاولة تقديم هدوء الأسير وطريقة كلامه كدليل على صدقية ما قيل تنقلب إلى دليل معاكس عند أي قراءة مهنية. فحالة الامتثال القسري والانفصال العاطفي الناتجة عن العزل الطويل والضغط الممنهج هي سلوكيات موثقة في علم نفس الأسر ولا يمكن اعتبارها تعبيراً عن إرادة حرة أو تعاون طوعي. بل إن مثالية المشهد وانضباط اللغة وسقوط مفردات الهوية المحلية تشير بوضوح إلى نص مُعدّ ووظيفة دعائية أكثر مما تشير إلى حقيقة ميدانية.

الأهم أن السؤال الحقيقي ليس ماذا قال عماد أمهز بل لماذا قيل الآن. فلو كان الهدف أمنياً لتم النشر فور وقوع الأسر ولو كان الهدف قانونياً لما خرج الفيديو أصلاً إلى الإعلام. نشره في هذه اللحظة يؤكد أنه ورقة ضغط سياسية في سياق تفاوض غير معلن حول مستقبل الجنوب ودور الجيش اللبناني ومهام اليونيفيل البحرية وحدود السيادة اللبنانية في البحر. إنه جزء من محاولة أوسع لفرض معادلة جديدة مفادها أن الاستقرار الاقتصادي والبحري مشروط بتنازلات سياسية وأمنية.

بهذا المعنى يصبح الفيديو حلقة في حرب نفسية جيوسياسية لا تستهدف الداخل اللبناني فقط بل تستهدف موقع لبنان في شبكة المصالح الإقليمية والدولية. هي محاولة لإعادة تعريف حزب الله ليس كفاعل داخلي فقط بل كعنصر يهدد أمن المتوسط وهي سردية خطيرة لأنها تنقل النقاش من خلاف سياسي داخلي إلى ملف أمن دولي حيث تتغير قواعد اللعبة ويزداد حجم الضغوط.

في الخلاصة ما جرى ليس اعترافاً بل تمثيل تحت القهر وليس انتصاراً استخباراتياً بل تعبيراً عن قلق استراتيجي من مرحلة جديدة يدخلها لبنان بعد الترسيم وبعد تثبيت دور الجيش وبعد انتقال الصراع إلى ساحة البحر. إسرائيل التي احتاجت إلى عام كامل لإخراج هذا الفيديو تعترف من حيث لا تريد بأن المعركة لم تعد على الحدود فقط بل على صورة لبنان البحرية وعلى حقه في أن يكون لاعباً سيادياً في معادلة الطاقة من دون أن يدفع ثمن ذلك من قراره الوطني. هنا تكمن خطورة الفيديو وهنا أيضاً تكمن أهميته كوثيقة سياسية لا كدليل إدانة.

هنادي عباس

كاتبة ومستشارة قانونية ودولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى