أخبار لبنان

لبنان في هدنة الغاز: كيف أُبعد شبح الحرب مؤقتًا مقابل تأجيل الانفجار الكبير؟

كتبت هنادي عباس

في الظاهر، يبدو تصريح الرئيس اللبناني جوزيف عون عن «إبعاد شبح الحرب عن لبنان» متناقضًا مع مشهد الغارات الإسرائيلية المستمرة على أهداف في جنوب البلاد. لكن هذا التناقض ليس إلا ظاهريًا. فالتصريح لا يُقرأ بمنطق الميدان العسكري المباشر، بل بمنطق إدارة الصراع على مستوى أعلى: مستوى التوازنات الدولية، وصفقات الطاقة، وإعادة ترتيب ساحات الاشتباك في شرق المتوسط.

ما يجري اليوم على الجبهة الجنوبية لا يرقى، حتى اللحظة، إلى منسوب الحرب الشاملة. هو عنف مضبوط، محسوب، ومُدار بسقوف سياسية واضحة. إسرائيل تضرب، نعم، لكنها لا تفتح حربًا. والحزب يرد أو يضبط إيقاعه، لكنه لا يذهب إلى كسر القواعد. في هذا الإطار تحديدًا، يمكن فهم كلام عون: المقصود ليس غياب النار، بل غياب الانفجار الكبير.

لبنان لم يخرج من دائرة الصراع، لكنه انتقل إلى موقع «الساحة المؤجَّلة». وهذا التأجيل ليس مجانيًا، بل ثمرة تقاطع مصالح دولية واضحة، في قلبها ملف الغاز.

بعد ترسيم الحدود البحرية، لم يعد الغاز اللبناني مجرد مورد اقتصادي محتمل، بل تحوّل إلى ورقة جيوسياسية. الولايات المتحدة وأوروبا، في ظل الحرب الأوكرانية وتراجع الاعتماد على الغاز الروسي، تبحثان عن أي منفذ طاقة إضافي لشرق المتوسط. من هنا، يصبح استقرار لبنان شرطًا تقنيًا-سياسيًا لاستخراج الغاز، وليس مسألة سيادية لبنانية فحسب.

إسرائيل، من جهتها، تنظر إلى الملف من زاوية مزدوجة: أولًا، تحييد الجبهة اللبنانية عن أي حرب كبرى مقبلة، خصوصًا إذا تطورت المواجهة مع إيران. وثانيًا، فرض معادلة أمنية جديدة في الجنوب تقوم على إبعاد سلاح الحزب عن جنوب الليطاني، أو على الأقل تجميد فعاليته، وخلق واقع سكاني وأمني عازل من دون الذهاب إلى اجتياح أو حرب شاملة.

هنا تلتقي مصالح متناقضة ظاهريًا لكنها متوافقة عمليًا. الغرب يريد الغاز. إسرائيل تريد الأمن. ولبنان، بضعفه البنيوي، يريد تأجيل الحرب بأي ثمن. النتيجة: صفقة غير مكتوبة، لكنها قائمة بحكم الوقائع.

هذه الصفقة تقوم على معادلة بسيطة: الغاز مقابل التهدئة. أو بصيغة أدق، الغاز مقابل إدارة ملف سلاح الحزب بهدوء، ومن دون انفجار داخلي أو حرب إسرائيلية واسعة. وهذا ما يفسّر لماذا تُترك الضربات الإسرائيلية ضمن هامش محسوب، ولماذا لا يُدفع لبنان نحو مواجهة شاملة، رغم كل الاستفزازات.

في هذا السياق، يكتسب كلام أمين عام الحزب السابق إلى الأميركيين دلالة إضافية حين قال: «أنتم يهمكم الاقتصاد، ونحن أعطيناكم الاقتصاد، فافصلوا أنفسكم عسكريًا عن إسرائيل». هذا التصريح لم يكن خطابًا شعبويًا، بل توصيفًا دقيقًا للعقل الأميركي البراغماتي، الذي يضع العقود والمصالح فوق الشعارات، ويفصل بين أمن إسرائيل الآني، واستراتيجيتها الهجومية الطويلة الأمد.

الفصل بين المصالح الأميركية والمصالح الإسرائيلية يظهر أيضًا في شرق المتوسط الأوسع. إسرائيل اليوم تعزز تحالفاتها الدفاعية مع اليونان وقبرص، في مواجهة التهديدات التركية المتصاعدة في قبرص وشرق المتوسط. هذه التحالفات لا تستهدف تركيا فقط، بل ترسم طوقًا استراتيجيًا أوسع يطال إيران وحلفاءها، ويعيد تشكيل خرائط الردع في المنطقة.

في هذا المشهد، يصبح الحزب – ومعه إيران – أكثر ميلًا إلى ضبط الجبهة اللبنانية. ليس حبًا بالتهدئة، بل لأن الحسابات الاستراتيجية تقول إن المعركة الكبرى لم تُحسم بعد. الحرب المؤجلة مع إيران، أو الحرب الإقليمية الأوسع، تحتاج إلى أوراق كاملة، لا إلى استنزاف مبكر في لبنان.

من هنا يمكن فهم التصريحات الغربية، ومن بينها ما نُقل عن مسؤولين أميركيين سابقين على شاكلة باراك، بأن المطلوب ليس نزع سلاح الحزب بحد ذاته، بل منع تحوّله إلى خطر مباشر على إسرائيل في توقيت غير مناسب. أي أن السلاح مقبول، طالما هو مُجمّد وظيفيًا، ومؤجل الاستخدام.

وفق هذه القراءة، يصبح السيناريو الأخطر هو فتح جبهة لبنان في غير أوانها. لذلك تُدار الأمور على قاعدة المقايضة: لا حرب على لبنان، مقابل ألا يكون لبنان منصة حرب. لا نزع للسلاح شمال الليطاني، مقابل ضبطه جنوبه. لا صدام داخلي بين الجيش والحزب، مقابل استمرار الدولة بوضعها الهش ولكن المستقر نسبيًا.

هنا، فقط هنا، يمكن فهم معنى «إبعاد شبح الحرب». هو ليس انتصارًا سياسيًا ولا إنجازًا سياديًا، بل نجاح مؤقت في إدخال لبنان ضمن نظام «التهدئة الوظيفية». لبنان اليوم ليس خارج الصراع، بل داخل صفقة. وليس محصنًا من الحرب، بل مؤجَّل فيها.

الخطير في هذه المعادلة أنها قابلة للانهيار في أي لحظة تتغيّر فيها الحسابات: ضربة على إيران، تصعيد غير محسوب في الجنوب، أو تعطّل مسار الغاز. عندها، يسقط التأجيل، ويعود شبح الحرب دفعة واحدة، لا كشبح، بل كواقع.

إلى ذلك الحين، يبقى لبنان بلدًا يعيش على حافة التسويات، ويُدار كمنطقة انتظار، حيث يُشفَط الغاز بهدوء، وتُضبط الصواريخ بالسياسة، ويُستبدل القرار الوطني بميزان المصالح الدولية. وهذا، بحد ذاته، أخطر أشكال الاستقرار

هنادي عباس

كاتبة ومستشارة قانونية دولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى