أخبار لبنانالرأي

بين تضليل الأحزاب والفساد السياسي، يرتخّي لبنان في مهبّ العاصفة

كتبت هنادي عباس :

لم يعد انهيار لبنان مجرّد نتيجة لأزمة مالية أو ظرف إقليمي ضاغط، بل تحوّل إلى حصيلة مباشرة لمسار طويل من التضليل الحزبي والفساد السياسي المنظّم، حيث تواطأت القوى الحاكمة على تفريغ الدولة من معناها، وتحويلها إلى ساحة صراع مصالح لا إلى كيانٍ جامع يحمي مواطنيه. في هذا المشهد، لا يبدو لبنان دولة مأزومة بقدر ما يبدو مشروعًا مُعطّلًا عمدًا.

الأحزاب التي قدّمت نفسها حاملةً لشعارات الإصلاح والسيادة والتمثيل الشعبي، مارست في الواقع أخطر أشكال التضليل السياسي، إذ استبدلت المحاسبة بالتعبئة، والبرامج بالشعارات، والحقائق بالأساطير الطائفية. فصار المواطن أسير سرديات متناقضة، تُستخدم لإدامة النفوذ لا لبناء الدولة، وتُستحضر عند كل استحقاق لتبرير الفشل وتدوير المسؤوليات.

أما الفساد، فلم يعد انحرافًا داخل النظام، بل بات هو النظام نفسه. فساد تشريعي يحمي المرتكبين، فساد إداري يُفرغ المؤسسات من كفاءاتها، وفساد مالي ينهب ما تبقّى من مقدّرات الدولة باسم الدعم أو التوازنات. في ظل هذا الواقع، أُقفلت أبواب العدالة، وتعطّلت آليات الرقابة، وتحولت السلطة من وظيفة عامة إلى امتياز خاص.

الأخطر من الانهيار الاقتصادي هو الانهيار السياسي والأخلاقي، ( كما جرى مع كبيرهم أبو عمر ) حيث جرى تطبيع الفشل وتحويله إلى قدر، وإقناع الناس بأن لا بديل عن هذه الطبقة، وكأن لبنان محكوم بالبقاء رهينة نفس الوجوه ونفس الخطابات. هذا الإيهام الجماعي أخطر من أي حصار خارجي، لأنه يقتل إمكانية التغيير من الداخل.

في مهبّ هذه العاصفة، يتآكل مفهوم الدولة تدريجيًا. لا سياسات عامة واضحة، لا رؤية اقتصادية وطنية، ولا قرار سيادي مستقل. كل ملف رهينة التوازنات، وكل أزمة مؤجلة بانتظار صفقة، فيما المواطن يُترك وحيدًا في مواجهة الفقر والهجرة وانعدام الأمان الاجتماعي.

إن ما يعيشه لبنان اليوم ليس أزمة حكم فحسب، بل أزمة تمثيل وشرعية. دولة تُدار بلا مساءلة، وسلطة بلا محاسبة، وأحزاب بلا برامج وطنية، لا يمكن أن تنتج إلا مزيدًا من الانهيار. والخروج من هذه العاصفة لا يبدأ بترميم الشعارات، بل بكسر منظومة التضليل، وإعادة الاعتبار للسياسة كخدمة عامة، لا كأداة هيمنة.

لبنان لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى إرادة سياسية صادقة تعترف بالجريمة قبل أن تبحث عن الحل، وتواجه الفساد بدل التعايش معه، وتضع مصلحة الدولة فوق مصالح الطوائف والأحزاب. وإلى أن يحصل ذلك، سيبقى البلد معلّقًا في مهبّ العاصفة، ينتظر من ينقذه من نفسه قبل أن ينقذه من الآخرين.

هنادي عباس

كاتبة ومستشارة قانونية ودولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى