أخبار عربيةاخبار سورياالرأي

الفيدرالية توزيع عادل للسلطة لا تمزيق للخريطة

في وقت تكثر فيه النقاشات حول مستقبل سوريا، يثير مصطلح “الفيدرالية” جدلاً واسعاً.

البعض يراه تهديداً لوحدة الدولة، بينما يعتقد البعض الآخر أنه حل يتيح التعايش والتطور.

لكن الحقيقة هي أن الفيدرالية ليست تقسيم لجغرافيا الدولة، بل هي نموذج مختلف لتنظيم السلطة وإدارتها داخل نفس الحدود الجغرافية.

ما هي الفيدرالية؟

الفيدرالية هي نظام سياسي يقوم على تقسيم السلطة بين الحكومة المركزية والحكومات المحلية (الأقاليم أو الولايات)

تحت هذا النظام، تبقى الحدود السياسية للبلاد كما هي، ويبقى للدولة جيش اتحادي واحد، وعلم واحد، وسياسة خارجية واحد مع الإبقاء على سيادة الدولة بشكل كامل.

لكن ما يختلف هو طريقة توزيع السلطة وإدارتها: كل منطقة أو إقليم يمتلك صلاحيات إدارية واسعة في مجالات مثل التعليم، الصحة، الاقتصاد المحلي، وتخطيط المدن، في إطار الدستور الوطني.

الفكرة الأساسية هي أن تُمنح كل منطقة القدرة على إدارة شؤونها بما يتناسب مع احتياجاتها المحلية، دون أن يكون ذلك على حساب وحدة الدولة.

التقسيم او الانفصال: ماذا يعني فعلاً؟

يعني التقسيم الفعلي للدولة جغرافياً وسياسياً، أي انبثاق دويلات صغيرة عن الدولة الواحدة، مثلما حدث في السودان وجنوب السودان، وهذا يعني تفكك البلاد إلى دول مستقلة، مع حدود جديدة، جيوش منفصلة، وأعلام وجوازات سفر.

بينما الفيدرالية لا تعني تقسيماً — بل تنظيماً داخلياً يهدف إلى تحسين إدارة الموارد والتفاعل مع التحديات المحلية، في الوقت الذي تبقى فيه السيادة والقرار السيادي على مستوى واحد.

أمثلة ناجحة لدول فيدرالية

الإمارات العربية المتحدة مثال حي على نجاح الفيدرالية في العالم العربي:

سبع إمارات تشارك في دولة اتحادية واحدة، لكن كل إمارة تتمتع بحكم محلي خاص بها مع سياسات وقوانين محلية.

في نفس الوقت، هناك جيش واحد، سياسة خارجية واحدة، واقتصاد واحد، وعلم واحد.

كذلك الحال في الولايات المتحدة الأمريكية، التي تتكون من خمسين ولاية، لكل منها حكومتها المحلية، قوانينها، ومواردها الخاصة.

ومع ذلك، يظل الجيش موحّداً، والسياسة الخارجية تحت إشراف الحكومة الاتحادية.

الفيدرالية هنا لم تضعف وحدة الدولة، بل جعلت الإدارة أكثر كفاءة وملاءمة لاحتياجات كل منطقة.

الفيدرالية والحق في تقرير المصير

بعيداً عن الإشكالات المتعلقة بالتقسيم والانفصال، الفيدرالية تمنح الشعوب حقاً في تقرير مصيرها، في إطار الدولة الواحدة.

من خلال هذا النظام، يمكن لكل منطقة أو إقليم أن يتخذ قراراته المحلية بشأن الموارد، التعليم، والصحة، وغيرها دون أن يتحول ذلك إلى محاولة للتفكك أو الانفصال.

ما يعنيه ذلك لسوريا بعد الثورة هو أن الشعب السوري يجب أن يفكر في كيفية ضمان توزيع عادل للسلطة بين الأقاليم.

ولا ينبغي السماح لأي شخص سواء كان رئيساً أو مسؤولاً بأن يصبح فوق المحاسبة أو أن يستأثر بالقرارات لنفسه.

لذلك تعتبر الفيدرالية آلية لمنع صناعة ديكتاتور جديد، إذ أن توزيع السلطات يمنع الاحتكار والتجمع في يد واحدة، ويضمن أن كل مسؤول يبقى تحت رقابة الشعب.

التحديات: متى تصبح الفيدرالية تهديداً؟

لكن الفيدرالية، كما أي نظام آخر، تحتاج إلى أن تكون مبنية على أسس قوية وعادلة.

في حالة سوريا، إذا تم بناء النظام الفيدرالي على أسس طائفية أو عقائدية، فإن ذلك قد يؤدي إلى نمو بذور الانقسامات الداخلية، ويتحوّل النظام من وسيلة لتنظيم الحكم إلى أداة لصراعات مستمرة.

لأن الفيدرالية تحتاج إلى ضوابط واضحة تحافظ على وحدة الدولة والسيادة الوطنية، مع التأكد من أن التوزيع العادل للسلطة لا يؤدّي إلى استغلال أو إقصاء أي مكون من مكونات المجتمع.

خلاصة

الفيدرالية ليست خريطة جديدة لسوريا، بل هي طريقة جديدة لإدارة الخريطة ذاتها.

من خلالها، يمكن توزيع السلطة بشكل عادل، مما يُمكّن المواطنين في كل منطقة من المشاركة في اتخاذ القرار حول حياتهم اليومية، وفي نفس الوقت، تظل الدولة واحدة، قوية، ومتحدة.

لكن الأهم من ذلك، أن الفيدرالية تضمن ألا يُصنع ديكتاتور جديد، ولا تُصبح سوريا رهينة يد واحدة، بل هي دولة قادرة على توزيع السلطة، مع ضمان الرقابة الشعبية والمحاسبة الفعالة.

 

زهير عبد العال

صحفي سوري رئيس تحرير ديلي نيوز عربي في سوريا، مقدم برامج ومراسل لدى "إذاعة أرابيسك"، مدرب تعليق صوتي في "مؤسسة الحضارة الدولية"، ومعلق صوتي في "منصة بوسطة". أعمال سابقة: عمل مراسلاً لمنصة "ART syrian" الرياضية، ومراسلاً ومحرراً صحفياً لدى "مجلة رؤى الحياة"، بالإضافة إلى عمله معد برامج ومعلق صوتي لدى "منصة نيودوس"، ومعلق صوتي لدى "شركة يزن استوديو للإنتاج الفني" في تركيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى