🖋️الباحث السياسي جواد سلهب
في كل مرة ترفع فيها واشنطن صوت التهديد، يظنّ البعض أنّ ساعة الحسم قد اقتربت، وأنّ المنطقة على شفا زلزال. لكن التجربة تقول عكس ذلك تمامًا: كلما علت نبرة التلويح الأميركي، كان ذلك دليلًا إضافيًا على غياب القرار، لا على اقترابه. فالضجيج، في السياسة كما في الحروب، غالبًا ما يكون قناع العجز لا مقدّمة الفعل.
الفرق الجوهري بين أميركا وإيران اليوم لا يكمن في عدد حاملات الطائرات ولا في كثافة التصريحات، بل في فلسفة إدارة الصراع. واشنطن تُلوّح لأنها تحتاج إلى نتائج سريعة تطمئن حلفاءها وتُنقذ صورتها، بينما طهران تُراكم لأنها تخوض معركة طويلة النفس، تعرف فيها أنّ الزمن ليس عدوًا بل أداة. من يراهن على اللحظة يخسر أمام من يراهن على المسار.
ومن الخطأ تفسير هذا التوازن القائم على أنه نتاج تردّد أو انتظار. فإيران، في لحظة شديدة الحساسية، نجحت في إحباط سيناريو الحرب قبل اندلاعه عبر مفاجأة نوعية كشفت عن عمق الجاهزية لا عن استعراضها. لم يكن الأمر خطابًا ولا تهديدًا، بل فعلًا عملياتيًا تمثّل في التشويش على منظومات ستارلينك، إحدى ركائز التفوّق التقني الأميركي. تلك الرسالة غيّرت الحسابات، وعلّقت قرار الحرب، لأن طهران وجّهت ضربة استباقية في ميدان السيطرة لا في ميدان النار، وأثبتت أن بعض المعارك تُحسم قبل أن تُسمع الطلقة الأولى.
منذ انتصار الثورة الإسلامية، لم تتعامل إيران مع الصراع بوصفه أزمة طارئة، بل باعتباره حالة دائمة. لذلك بُنيت مؤسساتها وعقيدتها الدفاعية على أساس الصمود والتراكم الهادئ. لم تنتظر ضمانات دولية، ولم تُسلّم أمنها لوعود الخارج، بل جعلت الاعتماد على الذات قاعدة ثابتة. هنا يكمن جوهر القلق الأميركي: خصم لا ينفعل، لا يستعجل، ولا يكشف أوراقه دفعة واحدة.
في المقابل، تبدو واشنطن أسيرة معادلة الردع المعكوس؛ أي خطوة غير محسوبة قد تفتح أبوابًا لا قدرة لها على إغلاقها، وأي مواجهة مباشرة قد تُسقط وهم السيطرة الذي تحرص على تسويقه. لذلك تكثر من التهديد وتقلّ من الفعل، مدركةً أن الكلفة قد تكون أعلى من القدرة على الاحتمال.
إيران، على عكس ما يُروَّج، لا تبحث عن حرب، لكنها لا تخشاها. وهذا الفارق الدقيق هو ما يصنع القوة الحقيقية. دولة لا تُستدرج ولا تُبتز، وتحتفظ بحق اختيار اللحظة والأداة والمعادلة. وإذا كان السؤال اليوم: من يكتب نهاية المواجهة؟
فالجواب لا يُقال في المؤتمرات الصحافية، بل يُصاغ بصمت… وبثبات من يعرف أن التراكم، حين يبلغ مداه، يتحوّل إلى حسم.
زر الذهاب إلى الأعلى