أخبار عربيةاخبار سورياالرأيسياسة

من شبيحة الأسد إلى شبيحة الثورة: هل نعيد إنتاج الاستبداد في سوريا؟

قبل أكثر من عقد، خرج السوريون إلى الشوارع هاتفين بالحرية، مؤمنين بأن صوت الشعب قادر على كسر جدران الاستبداد. لكن اليوم، وبعد كل تلك التضحيات، نجد أنفسنا أمام سؤال مرير: هل نعيد بناء سوريا على أسس العدالة والحرية، أم أننا نستبدل طاغية بطاغية جديد؟

في الأشهر الأخيرة، برزت ظاهرة جديدة تذكرنا بممارسات النظام السابق، حيث نشأت فئة تمارس التقديس الأعمى للسلطة الجديدة، ترفض أي نقد، وتشيطن كل رأي معارض. فئة تعيد تدوير الخطاب القديم ولكن تحت مسميات جديدة.

“من يحرر يقرر”، “مو عاجبك سافر”، “دمشق أموية”… شعارات جوفاء تحاول إضفاء القداسة على سلطة لم تُمنح شرعيتها بعد من الشعب، وكأننا لم نتعلم شيئًا من تاريخنا القريب.


1. هل الثورة تعني استبدادًا جديدًا؟

المفارقة الكبرى أن هؤلاء الذين يرفضون النقد اليوم، كانوا بالأمس يهتفون ضد الاستبداد. فكيف يمكن لمن ادّعى الثورة أن يتحول إلى شبيح جديد، يدافع عن السلطة فقط لأنها صارت في يده؟

الثورات الحقيقية لا تُنتج أنظمة محصّنة ضد النقد، بل تؤسس لدولة قانون يكون فيها المسؤولون عرضة للمساءلة، لا فوقها. إن أي حكومة لا تُستمد شرعيتها من الإرادة الشعبية، ولا تقوم على مؤسسات ديمقراطية، ليست سوى استبداد بواجهة جديدة.


2. شرعية السلطة بين القوة والإرادة الشعبية

لا أحد ينكر وجود أشخاص أكفاء وشرفاء داخل السلطة الجديدة، لكن هذا لا يعني غضّ الطرف عن الانتهازيين والمستبدين بينهم. الشرعية لا تأتي من فوهة البندقية، بل من ثقة الناس، من المؤسسات، من الانتخابات الحرة، من دستور يعبر عن الجميع.

التاريخ علّمنا أن الأنظمة التي تُحصَّن ضد النقد، سرعان ما تتحول إلى أنظمة قمعية، مهما كانت الشعارات التي ترفعها. فمتى سندرك أن السلطة التي تخشى المعارضة، ليست سوى نسخة جديدة من الاستبداد القديم؟


3. لماذا النقد ضرورة وليس خيانة؟

الثورة لم تُقم لتغيير الأسماء، بل لتغيير المفاهيم. لكن البعض اليوم يرفض أي انتقاد بحجة أن “السلطة أصبحت بيدنا”، وكأن الثورة لم تكن ضد الاستبداد، بل فقط ضد أشخاص معينين.

هؤلاء لا يريدون الحرية، بل يريدون استبدال العبودية لزعيم بعبودية لآخر. وهذا، أكثر ما يمكن أن يخون دماء الشهداء.

إن الحرية ليست امتيازًا يُمنح، بل حقٌ يُنتزع، ولا يوجد نظام فوق المحاسبة، ولا سلطة تستحق الولاء الأعمى.


4. دمشق ليست لأحد… دمشق للجميع

“دمشق أموية”؟ لا، دمشق ليست أموية، ولا عباسية، ولا عثمانية، ولا صليبية. دمشق ليست ملكًا لفئة، ولا لطائفة، ولا لحزب.

دمشق أقدم عاصمة مأهولة في التاريخ، جذورها ضاربة في عمق الحضارة، ولا يمكن اختزالها بأي فترة أو هوية عابرة. من يعتقد أنه يستطيع احتكارها تحت راية معينة، فهو لا يفهم معنى دمشق.

كما أن سوريا ليست لعشيرة، ولا لفصيل، ولا لزعيم، بل لكل السوريين، شاء من شاء وأبى من أبى.


5. كيف نضمن عدم تكرار أخطاء الماضي؟

الحرية تُقاس بمدى قدرتنا على مساءلة السلطة دون خوف، بمدى احترامنا لحق الآخرين في الاختلاف، بمدى فهمنا أن “المعارضة” ليست خيانة، بل حق أصيل في أي دولة تحترم نفسها.

من يرفض النقد اليوم، ليس ثائرًا، بل ديكتاتور مؤجل. ومن يبرر الاستبداد بحجة أن “الحكم بيدنا الآن”، لم يكن يومًا ضد الطغيان، بل فقط ضد الطغاة الذين لم يخدموه.


6. سوريا الجديدة… ولاء للوطن لا للأشخاص

المستقبل لا يُبنى بالولاءات العمياء، ولا بتقديس الأفراد، بل بالوعي السياسي، بالشفافية، بالإيمان بأن النقد البناء هو الضامن الوحيد لعدم تكرار أخطاء الماضي.

إن السماح بإعادة إنتاج الاستبداد تحت أي ذريعة – سواء باسم الأمن، أو الثورة، أو الدين – هو خيانة لكل الدماء التي سالت من أجل الحرية.


ما رأيك؟

هل تعتقد أن سوريا تتجه نحو مستقبل ديمقراطي حقيقي، أم أننا نعيد إنتاج الاستبداد بصيغة جديدة؟ شاركنا رأيك في التعليقات!

زهير عبد العال

صحفي سوري رئيس تحرير ديلي نيوز عربي في سوريا، مقدم برامج ومراسل لدى "إذاعة أرابيسك"، مدرب تعليق صوتي في "مؤسسة الحضارة الدولية"، ومعلق صوتي في "منصة بوسطة". أعمال سابقة: عمل مراسلاً لمنصة "ART syrian" الرياضية، ومراسلاً ومحرراً صحفياً لدى "مجلة رؤى الحياة"، بالإضافة إلى عمله معد برامج ومعلق صوتي لدى "منصة نيودوس"، ومعلق صوتي لدى "شركة يزن استوديو للإنتاج الفني" في تركيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى