المستشار فؤاد غسان دبور نائب رئيس دائرة سوريا للمحكمة الدولية للتحكيم : المرحلة الجديدة لـ “داعش” في سوريا: محاولة إحياء الفوضى في مشهد سياسي متبدل

في وقتٍ تسعى فيه الدولة السورية لرسم ملامح مستقبلها وسط تجاذبات إقليمية ودولية معقدة، تبرز من جديد لغة التصعيد والتهديد من قِبل تنظيم “داعش” الإرهابي، متمثلة في الخطاب الصوتي الأخير للمتحدث باسمه، المدعو “أبو حذيفة الأنصاري”. هذا الخطاب الذي أعلن فيه التنظيم صراحةً الدخول في “مرحلة عمل جديدة”، لا يمكن اعتباره مجرد استعراض إعلامي عابر، بل هو محاولة استراتيجية لإعادة التموضع في قلب الخارطة السورية، مستغلاً حالة السيولة السياسية والتحولات الميدانية الراهنة.
إن استهداف التنظيم المباشر للحكومة السورية والجيش العربي السوري، ووصف النظام الجديد بأنه “هدف رئيسي”، يكشف عن نية مبيتة لضرب ركائز الاستقرار الوطني ومنع أي عملية تعافٍ مؤسساتي. فالتنظيم يدرك تماماً أن قوة الدولة وتماسكها هما العائق الأكبر أمام تمدده، لذا يلجأ إلى خطاب “التكفير” و”الردة” لتبرير هجماته الغادرة في مناطق مثل الرقة وريف دير الزور، محاولاً إعطاء صبغة دينية زائفة لعمليات تهدف في جوهرها إلى نشر الرعب وتقويض الأمن القومي.
وما يلفت الانتباه في هذه القراءة التحليلية هو الهجوم الحاد الذي شنه “الأنصاري” على القوى والفصائل الموجودة على الأرض، بما في ذلك “نظام الجولاني” والفصائل المنضوية تحت مظلات تفاهمات معينة. إن وصف هؤلاء بـ “الدمى” أو “الخاضعين للنفوذ الأجنبي” يعكس استراتيجية التنظيم في “عزل الخصوم”؛ فهو يسعى لضرب التوافقات البينية بين القوى السورية، وإشعال فتيل صراع داخلي يتيح له استقطاب العناصر الأكثر تشدداً الذين قد يشعرون بالإحباط من المسارات السياسية القائمة. هي عملية “تطهير أيديولوجي” يمارسها التنظيم لتقديم نفسه كخيار وحيد ومتطرف ضد الجميع.
إن توقيت هذا التصعيد، الذي تزامن مع تبني عمليات اغتيال وهجمات بالأسلحة الرشاشة ضد عناصر أمنية وعسكرية، يشير إلى أن التنظيم يراهن على “حروب الاستنزاف” في البادية والمناطق النائية كمدخل لاستعادة نفوذه المفقود. سوريا اليوم تقف أمام تحدٍّ وجودي يتطلب يقظة تتجاوز الرد العسكري المباشر؛ فالمعركة ليست فقط مع “خلايا نائمة”، بل مع فكر يحاول استغلال الفراغات الأمنية والسياسية ليعيد عقارب الساعة إلى الوراء.
ختاماً، يبقى الرهان الحقيقي على وعي السوريين وقدرة مؤسسات الدولة على سد الثغرات التي يتسلل منها الإرهاب. إن مواجهة “المرحلة الجديدة” التي أعلن عنها التنظيم تتطلب تماسكاً وطنياً صلباً، يدرك أن استهداف أي جزء من الجسد السوري هو استهداف للكيان بأكمله. فمهما تعددت البيانات ومهما بلغت حدة التهديدات، تظل الدولة الوطنية هي الضمانة الوحيدة لقطع الطريق على مشروع الفوضى، ولإثبات أن سوريا التي دحرت الإرهاب في ذروته، قادرة اليوم على وأده في مهده الجديد.



