مقال تحليلي لخطاب دولة الرئيس نبيه بري
بقلم: الصحافي حسين عبدالله
جاء خطاب رئيس مجلس النواب نبيه بري في الذكرى السابعة والأربعين لتغييب الإمام موسى الصدر ورفيقيه ليجمع بين وفاء الذاكرة الوطنية واستشراف المستقبل السياسي والأمني للبنان. الكلمة التي اتخذت طابعًا وجدانيًا في بدايتها، إذ حيّا فيها الإمام المغيّب ورفاقه، لم تقتصر على استعادة قضية تغييب الإمام كقضية وطنية كبرى، بل حمّلت السلطات الليبية القائمة مسؤولية التآمر بسبب تقصّدها عدم التعاون مع القضاء اللبناني. في هذا التوصيف وضع بري القضية في إطار يتجاوز البعد الطائفي ليجعلها قضية وطن بكامله، مؤكّدًا أن تغييب الإمام لم يكن تغييب شخص بل محاولة لاختطاف دور لبنان ورسالته.
لكن البعد التحليلي الأبرز في الخطاب كان الانتقال من الوفاء للذاكرة إلى التحذير من الحاضر. بري رأى أن هناك من راهن في السر على العدوان الإسرائيلي لاستغلال نتائجه وتغيير موازين القوى الداخلية، ولو كان ذلك على ظهر دبابة إسرائيلية. بهذا الطرح أعاد التأكيد أن بعض المشاريع الداخلية تراهن على الخارج، وهو ما يشكل خطرًا يفوق الانقسامات المحلية. ومن هنا جاء تحذيره من اجتماع الجهل والتعصب، ومن خطاب الكراهية الذي بدأ يغزو العقول عبر الإعلام والمنصات، معتبرًا أن العقول الشيطانية أخطر على لبنان من سلاح المقاومة نفسه، وهو تصريح يعيد توجيه البوصلة إلى أن الخطر الحقيقي ليس السلاح بل الانقسام الداخلي.
وفي ما يتعلق بسلاح المقاومة، قدّم بري موقفًا لافتًا حين أعلن انفتاحه على مناقشة مصيره ضمن حوار وطني هادئ وتحت سقف الدستور وخطاب القسم واتفاق الطائف، لصياغة استراتيجية دفاعية وطنية تحمي لبنان. بهذا الطرح أرسل رسالة مزدوجة: تطمين للداخل بأن النقاش ممكن، وتأكيد للخارج أن أي بحث في السلاح لن يتم إلا في إطار سيادي ودستوري. لكنه في الوقت نفسه رفض أن يكون هذا النقاش تحت التهديد أو عبر تجاوز اتفاق وقف إطلاق النار، مذكّرًا أن لبنان التزم بتنفيذ الاتفاق بينما إسرائيل لم تلتزم بأي من بنوده بل زادت من احتلالها وواصلت عدوانها ومنعت عشرات القرى من العودة، في قرى سنية ومسيحية كما الشيعية، ما يعكس أن العدوان استهدف لبنان كله لا طائفة واحدة.
الخطاب حمل أيضًا إشارات واضحة إلى دور الجيش اللبناني، حيث رفض بري رمي كرة النار في حضنه، مؤكدًا أنه الحصن الحصين للوطن والداعم لتطبيق القرار 1701. كما توقف عند تصريحات رئيس حكومة إسرائيل نتنياهو الذي تفاخر بأنه في مهمة لتحقيق حلم “إسرائيل الكبرى” عارضًا خريطة تشمل لبنان كاملًا، وهو ما رآه بري دليلًا إضافيًا على أن الخطر الوجودي على لبنان لم ينتهِ، وأن وحدة الموقف الداخلي هي الرد الوحيد عليه.
وعلى الصعيد السياسي، أراد بري أن يظهر أن موقف وزراء الثنائي الشيعي في الحكومة لم يكن مذهبيًا بل وطنيًا، وأن الورقة الأميركية المطروحة تتجاوز مجرد البحث في مسألة السلاح لتشكل بديلاً عن اتفاق وقف إطلاق النار. بهذا المعنى، حاول أن يعيد النقاش إلى جوهره: لبنان نفذ ما عليه، أما إسرائيل فلا تزال تتنصل من التزاماتها، والواجب الوطني هو منع الانجرار إلى فتنة داخلية أو تفريط بالثوابت.
أما البعد المستقبلي للخطاب، فيكمن في سعي بري لتثبيت نفسه كضابط إيقاع الحوار الوطني، جامعًا بين التمسك بخيار المقاومة والانفتاح على نقاش مستقبلها في إطار السيادة. هو خطاب يعكس إدراكه لحجم الضغوط الداخلية والخارجية، ومحاولته صياغة معادلة تحفظ الاستقرار وتمنع الانفجار الكبير. وبقدر ما أعاد التأكيد على ثوابت قضية الإمام الصدر، أراد أيضًا أن يضع خطوطًا حمراء لمستقبل لبنان: لا مساومة على السيادة، لا فتنة داخلية، ولا حوار حول سلاح المقاومة إلا بإرادة اللبنانيين أنفسهم.
بهذا يمكن القول إن خطاب نبيه بري شكّل مزيجًا بين الوفاء للماضي والتحذير من الحاضر ورسم معالم لمستقبل مأمول، إذ أراد أن يذكّر اللبنانيين أن وحدتهم هي الشرط الأول للحفاظ على وطنهم في مواجهة أطماع الخارج وأوهام الداخل. وإذا كان الزمن قد غيّب الإمام الصدر، فإن حضور فكرته لا يزال يشكل ركيزة لرؤية بري للبنان: وطن نهائي لجميع أبنائه، ودولة قادرة على حماية سيادتها بجيشها ومقاومتها ووحدة شعبها.
زر الذهاب إلى الأعلى