إنسحاب مدوٍّ… وصدى الغدر يتردد في أروقة الحكم!

ناصر خزعل
حين تتحوّل الكلمة في مجلس الوزراء إلى حبْرٍ يتبخر قبل أن يجف، تسقط شرعية القرار، وتتهاوى الثقة بمؤسسات الحكم. ما جرى في الجلسة الأخيرة، لم يكن مجرّد خلل بروتوكولي أو سوء تفاهم سياسي، بل نقضٌ صريح لعهدٍ قُطع صباحاً ونُكِث ظهراً، في واحدة من أكثر اللحظات دقة في تاريخ لبنان الحديث …
رئيس الحكومة نواف سلام، بعد اتصالات مكثفة مع رئيس الجمهورية، قدّم وعداً واضحاً بتأجيل طرح بند “خطة حصر السلاح” إلى نهاية الجلسة، حفاظاً على الحد الأدنى من التوافق الوطني. غير أن ما حدث عند انعقاد الجلسة كان انقلاباً هادئاً على هذا التفاهم، مع إدراج البند في أول الجلسة، “وإدخال قائد الجيش في مستهل الجلسة، رغم أنّ البنود الأولى لا تمتّ بصلة لخطة نزع السلاح، لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً عابراً … بل كان خرقاً مقصوداً لترتيب وُعد به، ورسالة مبطّنة بأنّ ما خُطّ خلف الكواليس أقوى ممّا اتُّفق عليه أمام العلن”.
هذا التصرف لم يكن بريئاً. كان كميناً سياسياً مدبّراً لاستهداف المقاومة من قلب الشرعية، تماماً كما يُراد للبنان أن يُسلَّم خطوةً بعد خطوة تحت عنوان “الإصلاح” و”السيادة” و”تطبيق القرارات الدولية”، فيما الحقيقة أن الوطن يُدفع نحراً نحو مشروع نزع روحه : المقاومة”.
إنسحاب وزراء الثنائي الوطني لم يكن موقفاً اعتراضياً فحسب، بل صفعة للغدر السياسي ورسالة واضحة: أن لا شرعية لقرارات تصدر عن خديعة، ولا شرعية لطاولة يُنصب عليها فخّ بحجم الوطن ولا ميثاقية لجلسة حكومية أو لقرارات تصدر عنها دون مكوّن أساسي هو المكوّن الشيعي هو قرار مبتور لا يعبّر عن لبنان بكل أطيافه.
واليوم، كل الاحتمالات مطروحة. فانسحاب الوزراء الشيعة من الجلسة قد لا يكون نهاية المشهد، بل مقدمة لتصعيد تدريجي قد يبدأ بالاستقالة من الحكومة، مروراً بتحركات شعبية مدروسة، وصولًا إلى تجميد تعاون حزب الله جنوب الليطاني، ما يُنذر بإعادة خلط الأوراق داخلياً وخارجياً.
إن حزب الله، الذي قدّم كل أشكال الانفتاح على الشراكة الوطنية، يواجه اليوم سلطة تنفّذ جدول أعمال خارجي بحبر لبناني.
فهل المطلوب من الحزب أن يُسلّم سلاحه على طاولة حكومة لم تحفظ حتى ترتيب البنود؟
وهل يُعقل أن تُستدرج المقاومة من داخل الدولة إلى مصير كتبته واشنطن وتل أبيب وصدّق عليه الخليجي وبعض الداخل؟
إن نكث العهود اليوم لا يهدد الحكومة فقط، بل يضع لبنان أمام فراغ أخلاقي في الحُكم، وربما فراغ سياسي شامل، إذا ما تمادت السلطة في الخضوع.
الحقيقة لم تعد تحتاج إلى شرح: الخطر الحقيقي ليس في سلاح المقاومة، بل في سلاح التبعية الذي يستوطن بعض العقول، ويدفع الدولة إلى أن تكون أداة بيد الخارج، ومسراً للقرارات المعلبة…
ن . خ.




