بقلم: الصحافي حسين عبدالله
في مهرجان ولادة النبي محمد (ص) والإمام جعفر الصادق في الضاحية الجنوبية، قدّم الشيخ نعيم قاسم خطاباً تجاوز الطابع الديني الاحتفالي، ليصبح وثيقة سياسية متكاملة ترسم ملامح المرحلة المقبلة داخلياً وإقليمياً. الخطاب حمل رسائل إلى الداخل اللبناني، إلى الإقليم، وإلى المجتمع الدولي، واضعاً سلاح المقاومة في قلب المعادلة ومحدداً شروط التفاوض حوله.
من الرمز الديني إلى السياسة الصريحة
اعتمد الشيخ نعيم قاسم على الرمزية الدينية ليؤسّس لشرعية موقفه السياسي. من ذكرى النبي والإمام الصادق، انتقل إلى الحديث عن فلسطين، عن العدوان على قطر، وعن مشروع «إسرائيل الكبرى». بهذا، أراد أن يقول إنّ المقاومة ليست خياراً سياسياً فقط، بل امتداد لمعركة عقائدية وتاريخية لا يمكن التراجع عنها.
المحور الداخلي: السلاح بين الشرعية الشعبية والسياسية
ركز الشيخ نعيم قاسم على أنّ أي حديث عن تسليم السلاح غير مقبول ما دامت الاعتداءات الإسرائيلية مستمرة. استشهد باستطلاعات رأي تشير إلى أنّ غالبية اللبنانيين ترفض تسليم السلاح بلا ضمانات. أراد بذلك أن يضع خصومه في الداخل أمام معادلة صعبة: أي قرار رسمي ضد المقاومة سيصطدم بمزاج شعبي داعم لها.
وفي الوقت الذي تناقش فيه الحكومة خطة الجيش لاحتكار السلاح، بدا خطاب الشيخ قاسم كرسالة مباشرة: لا قرارات أحادية ولا نقاش جدي إلا تحت سقف شروط المقاومة. وهنا يظهر التناقض اللبناني المعتاد: حزب او قوات يرى ان سلاح المقاومة يجب ان يسحب والتطبيع مع الاسرائيلي خو الخيار الأفضل، وحزب يرى أنّ بقاء سلاحه جزء من هذه السيادة.
المحور الإقليمي، من فلسطين إلى الخليج
إقليمياً، وسّع الشيخ نعيم قاسم دائرة الاشتباك. اعتبر أنّ إسرائيل والولايات المتحدة تعملان على تكريس مشروع توسعي من الفرات إلى النيل، وأنّ العدوان على قطر دليل على أنّ المعركة ليست محصورة بفلسطين أو لبنان. بهذا الخطاب، وجّه تحذيراً مبطناً لدول الخليج: أنتم في دائرة الاستهداف، ولا يمكنكم التفرّج من بعيد.
كما دعا الدول العربية والإسلامية إلى دعم المقاومة، سياسياً ومالياً، أو على الأقل عدم الوقوف ضدها. في زمن التطبيع، هذا الموقف يضع الحكومات أمام خيارين: السير مع الموجة الشعبية المؤيدة للمقاومة، أو دفع ثمن سياسي داخلي.
المحور الاقتصادي، رهينة الاشتباك
اقتصادياً، ربط الشيخ نعيم قاسم الإعمار بوقف الاعتداءات وانسحاب إسرائيل. أي أنّ إعادة بناء ما تهدّم في الجنوب أو أي منطقة متضررة ستبقى معلّقة حتى تحقيق شروط المقاومة. هذا الموقف يعكس معضلة لبنان الأساسية: كيف يمكن لبلد منهار مالياً أن يجذب دعماً دولياً في ظل غياب توافق سياسي على القضايا السيادية؟
كما أنّ استمرار المواجهات يعني مزيداً من الاستنزاف المالي: أضرار في البنية التحتية، خسائر في الزراعة والسياحة، وتثبيت لحالة اقتصاد الطوارئ. في المحصلة، يبقى المواطن اللبناني الحلقة الأضعف، يدفع ثمن الاشتباك المفتوح دون أن يرى حلولاً ملموسة.
رسائل إلى واشنطن وتل أبيب
وجّه الشيخ نعيم قاسم اتهامات مباشرة للولايات المتحدة باعتبارها شريكاً أساسياً في الضغط على لبنان، مؤكداً أنّ أي تفاوض حول السلاح يجب أن يقترن بانسحاب إسرائيلي ووقف الاعتداءات. هذه معادلة شبه مستحيلة بالنسبة للغرب، ما يعني أنّ الخطاب أغلق الباب أمام أي حلول تقنية سريعة.
في الوقت نفسه، يعي الشيخ نعيم قاسم أنّ الضغط الدولي يتصاعد. الحكومة تناقش خططاً عسكرية، والبرلمان تحت المجهر، والمانحون يربطون مساعداتهم بالاستقرار الأمني والسياسي. لذلك جاء خطابه كإعادة رسم للخطوط الحمراء: المقاومة لن تتنازل تحت أي ضغط خارجي.
المخاطر الداخلية، فتنة مؤجّلة؟
رغم تحذير الشيخ نعيم قاسم من الفتنة الداخلية، إلا أنّ خطابه يعكس توتراً متزايداً بين مناصري المقاومة وخصومها. في حال أصرّ فريق على نزع السلاح، وواجه رفضاً حاداً من الحزب وجمهوره، قد تنزلق الأمور إلى مواجهة سياسية أو حتى ميدانية. حتى الآن، كل الأطراف تدير الأزمة ضمن سقف مضبوط، لكن التاريخ اللبناني يُظهر أنّ الخطوط الحمراء قد تُكسر بسهولة عند أول صدام كبير.
السيناريوهات المقبلة
أولاً، الاستمرار بالوضع الراهن: حيث تبقى الحكومة تناقش، والحزب يرفض، ويستمر الاشتباك الكلامي مع مناوشات ميدانية محدودة.
ثانياً، تصعيد إقليمي محدود: إذا تكرّر استهداف قيادات أو قواعد خارج الحدود، فقد تتوسع رقعة المواجهة إلى الخليج.
ثالثاً، تسوية مشروطة: عبر وساطات دولية كبيرة تربط الملفين الأمني والاقتصادي، لكن فرصها ضعيفة في المدى القريب.
وبالختام، خطاب الشيخ نعيم قاسم ليس مجرد مداخلة سياسية، بل محاولة لتثبيت قواعد اللعبة: السلاح خط أحمر، فلسطين هي البوصلة، وأي تسوية يجب أن تبدأ من الاعتراف بدور المقاومة. بين منطق الدولة ومنطق الحزب، يبقى لبنان عالقاً في معادلة معقدة، عنوانها الأبرز: لا حلّ من دون مقاومة، ولا استقرار من دون دولة.
حسين عبدالله – رئيس تحرير موقع Arabic Daily News
زر الذهاب إلى الأعلى