كتبت هنادي عباس
نحن أهل الجنوب لا نريد العودة… على الرغم من تعبنا، لا نريدها لأننا نعرف معنى العودة حين تكون ناقصة، ومهزوزة، ومجتزأة من كرامتها.
نحن أبناء هذه الأرض، من طينها جُبلنا، وعلى ترابها كبرنا، ومن وجعها ارتقينا. لم تكن الأيام معنا، لكننا كنا مع أنفسنا، مع حقنا، مع أرضٍ لم تساوم يومًا على أصحابها. نحن الذين حملتنا الأقدار إلى أقسى الامتحانات، فخرجنا منها أصلب، لا ننحني، ولا نركع.
الأرض لنا… ليست شعارًا، بل هوية. لنا فيها ما ليس لغيرنا: ذاكرة الشهداء، وصوت الأمهات، وخطوات الذين عبروا إلى المجد ولم يعودوا. كتبنا على قلوبنا، وعلى أجسادنا، وبحبر دمائنا، أننا عائدون… لكننا لن نعود مهزومين، ولن نقبل بعودةٍ تُهضم فيها الحقوق أو تُقطّع فيها الأوصال.
فالجنوب ليس جغرافيا معزولة، بل نبض وطن. حين ينزف الجنوب، ينزف معه البقاع، وتوجع الضاحية، وتبكي طرابلس، وتختنق زحلة، وتصمت بيروت على وجعها. لأن لبنان ليس خريطة قابلة للتقسيم، بل روح واحدة، إذا انكسرت في مكان، تألمت في كل مكان.
لهذا نقولها بوضوح: نحن أهل الجنوب لا نريد العودة… إذا لم تكن عودةً تليق بتضحياتنا. لا نريدها إن لم تجمع شملنا، وتوحد جراحنا، وتكتب نصرنا الكامل غير المنقوص. لا نريد عودةً شكلية إلى أرضٍ مستباحة، ولا حياةً فوق ترابٍ لم يُستردّ حقه.
نريد أرضنا كما هي: كاملة، حرة، مصانة.
أرضًا حاول العدو أن يستبيحها بكل المقاييس، لكنه لم يستطع أن ينتزع منها روحها.
أرضًا سُقيت بدماء شبابنا، وما زالت تنزف… لكنها لم تنكسر.
نحن لا نطلب المستحيل، بل نرفض المستحيل: أن نعود بلا كرامة.
فالعودة الحقيقية ليست خطوة نحو الأرض، بل استعادة الأرض بكل معناها.
ومن هنا، يبدأ الوطن… أو لا يكون.
هنادي عباس
كاتبة وباحثة سياسية
زر الذهاب إلى الأعلى