أخبار لبنانالرأي

القصة الكاملة لأبو عمر وهشاشة عظام الدولة: كتبت هنادي عباس

 

حين يصبح اللقب بديلاً عن الدولة: فضيحة “الأمير الوهمي” ومن يقف خلف اختراق القرار اللبناني

في بلدٍ يتهاوى تحت وطأة الانهيار، لم يعد الخطر محصوراً بالعدو أو بالانقسام السياسي، بل بات مقيماً في قلب الدولة نفسها، يتسلّل من بوابة الألقاب، ويعبر على بساط الوهم، ويجلس إلى طاولات القرار من دون صفة ولا تفويض ولا محاسبة. ما جرى في قضية الرجل المعروف بـ«أبو عمر» لا يمكن قراءته كحادثة فردية أو كحكاية عابرة، بل ككاشف صارخ عن خلل بنيوي عميق، حيث يكفي أن يقدّم شخص نفسه على أنه «أمير سعودي» حتى تُفتح له الأبواب، وتُمدّ له الأيدي، وتُمنح له مساحات نفوذ داخل وزارات ومجالس نيابية، وكأن السيادة باتت بطاقة تعريف شفوية، وكأن الدولة تكتفي بالانطباع بدل التحقّق.

الفضيحة الحقيقية هنا لا تكمن في الادعاء بحدّ ذاته، بل في التصديق الأعمى. كيف تمّ التعاطي مع هذه الصفة وكأنها حقيقة مكتملة الأركان؟ كيف سُمح بالشراء والبيع، وبالوساطة والتأثير، وبالدخول إلى مراكز حساسة، لمجرّد الإيحاء بغطاء خارجي؟ أي دولة هذه التي تُعلّق أدواتها الرقابية عند أول لقب، وتستبدل القنوات الدبلوماسية الرسمية بعلاقات رمادية، وتتعامل مع النفوذ المتخيَّل كأنه تفويض؟ ما حصل ليس اختراقاً أمنياً تقليدياً، بل اختراق سيادي وعقلي، حيث يصبح الوهم أقوى من المؤسسة، والإيحاء أقوى من القانون، وتنهار فكرة الدولة قبل أن تنهار العملة.

القضية تفرض أسئلة لا مفرّ منها ولا ترف في تجاهلها: من سمح؟ من فتح الأبواب؟ من سهّل اللقاءات؟ من شرعن الحضور؟ ومن استفاد؟ لأن تصديق «الأمير الوهمي» لا يحدث دائماً بدافع السذاجة، بل غالباً بدافع المصلحة أو الطمع أو البحث عن مظلّة خارجية تعوّض عجزاً داخلياً. هنا يتحوّل السؤال من توصيف واقعة إلى مساءلة نظام كامل، نظام يتغذّى على الفوضى، ويستسهل بيع القرار العام لمن يدّعي القوة، ويحوّل الفراغ الرقابي إلى فرصة نفوذ.

هذه ليست قضية أبو عمر، بل قضية دولة تُخدع بسهولة، وسلطة تتواطأ بالصمت أو بالإهمال، ونخبة سياسية اعتادت استبدال التدقيق بالانبهار. وإذا لم تتحوّل هذه الفضيحة إلى تحقيق شفاف ومحاسبة علنية، فالرسالة ستكون فاضحة وواضحة في آن: في لبنان، اللقب أهم من القانون، والادعاء أقوى من الدولة، والوهم هو العملة السياسية الأكثر تداولاً. وعندها لا يعود السؤال من هو أبو عمر، بل من يقف خلفه، ولماذا يحتاج هذا النظام دائماً إلى «أبو عمر» جديد كلما تعطّلت الدولة

التحليل يقودنا مباشرة إلى ما وراء الظاهر، إلى القوى والأطراف التي قد تكون وراء تمكين شخص مثل «أبو عمر» من اختراق مؤسسات الدولة. من الطبيعي أن نفكر أولاً في جهات داخلية تسهّل هذا الاختراق، فالأبواب لم تُفتح من فراغ، والمساحات التي منحها الرجل لمراكز القرار لم تكن لتُتاح إلا بتواطؤ مسؤولين أو نافذين يملكون مصلحة مباشرة في ذلك. هؤلاء قد يكونون سياسيين، نواباً، وزراء، أو موظفين نافذين اعتادوا تحويل الدولة إلى ساحة لتصفية مصالح شخصية، حيث يُقدَّم الغطاء الخارجي كوسيلة لإضفاء شرعية وهمية على أعمالهم، ولتحقيق مكاسب مالية أو سياسية.

إلى جانب الداخل، لا يمكن استبعاد محاولة الاستفادة من «غطاء خارجي»؛ فالادعاء بأن الرجل يمثل جهة خليجية يمنحه قوة وهمية للتأثير على صناع القرار اللبناني. هذا يُرجّح وجود أطراف إقليمية أو مصالح خارجية تراهن على استغلال هشاشة الدولة اللبنانية لتحقيق أهداف استراتيجية أو مالية، من دون أن تتحمل الدولة الأصلية مسؤولية مباشرة. هنا يتحوّل لبنان إلى ساحة تجريبية، حيث يمكن قياس قدرة النفوذ الخارجي على توجيه القرار، وإعادة رسم خرائط المصالح الداخلية تحت ضغط الوهم.

منطقياً، هذا النموذج يحقق عدة أهداف لمن يقف وراءه: أولاً، اختبار هشاشة المؤسسات اللبنانية وقدرتها على التحقق والمساءلة، ثانياً، خلق شبكات نفوذ جديدة يمكن استثمارها لاحقاً، وثالثاً، إدخال عناصر ضغط داخلي وخارجي على صناع القرار، بحيث يصبح القرار اللبناني مرهوناً بالمصالح أو الوعود المزيّفة لا بالحاجة الوطنية. بمعنى آخر، «أبو عمر» ليس شخصاً بل أداة، واختراقه ليس صدفة بل تجربة سياسية وتجارية متكاملة.

في الخلاصة، من وراء هذه الفضيحة مزيج من أطراف داخلية تبحث عن مكاسب شخصية، وأطراف خارجية تتربّص بلبنان، مستغلة ضعف الدولة وهشاشة مؤسساتها. والأخطر أن هذه التجربة ليست معزولة؛ فهي تنذر بأن أي لقب، أي ادعاء، وأي وهم يمكن أن يتحوّل إلى مفتاح دخول إلى السلطة اللبنانية إذا لم تتحرك الدولة للتحقق والمحاسبة. السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه الآن: من سيحاسب المسؤولين الذين فتحوا الطريق، ومن سيقف أمام المزايدين على سيادة الدولة ليضعوا حداً لهذه الفوضى قبل أن تصبح السبل الأساسية التي تفشل بناء الأوطان

هنادي عباس

كاتبة ومستشارة قانونية دولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى