أخبار لبنانالرأي

اعتقال مادورو: مسرحية سياسية على طريقة “النموذج السوري” أم تسوية روسية–أميركية؟

كتبت هنادي عباس

في السياسة الدولية، لا تُقاس الأحداث بحجم الضجيج الذي يرافقها، بل بقدرتها الفعلية على إحداث تحوّل في موازين القوى. من هذا المنطلق، تبدو قضية اعتقال نيكولاس مادورو أقرب إلى مشهد مدروس في مسرح السياسة الكبرى، لا إلى لحظة عدالة تاريخية فاصلة. مشهد يعيد إلى الذاكرة “النموذج السوري”:

ومن قبله الليبي والعراقي وغيرهم من دول المحور ويعد تغيير في الواجهة لا في البنية، وتبديل في الأدوار لا في المنظومات.

وفق هذا التصور، لا يكون الاعتقال إجراءً قضائيًا نهائيًا، بل أداة تفاوض ضمن صفقة دولية أوسع، يُعاد من خلالها ترتيب النفوذ بدل كسره. فالتجربة أثبتت أن الأنظمة المتشابكة مع مصالح قوى كبرى نادرًا ما تسقط بضربة واحدة؛ بل تُدار أزماتها على مراحل، حيث يُضحّى بأسماء ورموز للحفاظ على جوهر المصالح.

في السيناريو المرجّح، لا تظهر روسيا في موقع المهزوم أو المفاجأ. بل تتحرّك كضامن من خلف الستار، تسمح بإخراج مادورو من الواجهة مقابل ضمانات واضحة: حماية الاستثمارات النفطية، استمرار الحضور السياسي والأمني، ومنع انزلاق فنزويلا الكامل إلى المعسكر الأميركي. هذا هو منطق “تدوير الزوايا” الذي طبع التجربة السورية: إسقاط أشخاص، تثبيت الدولة العميقة، وتجميد الصراع بدل حسمه.

في المقابل، تحتاج الولايات المتحدة إلى صورة انتصار. اعتقال رأس النظام يمنحها خطابًا جاهزًا عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، ورسالة سياسية موجهة إلى الداخل الأميركي قبل الخارج. صورة قابلة للتسويق، حتى لو كان الواقع أكثر تعقيدًا: تغيير شكلي يُقدَّم بوصفه إنجازًا استراتيجيًا.

النتيجة المتوقعة، في حال تحقق هذا السيناريو، ليست ثورة سياسية ولا قطيعة جذرية مع الماضي، بل تسوية باردة. نظام يُعاد طلاؤه بدل تفكيكه، وأزمة تُدار بدل أن تُحلّ، مع إعادة توزيع أدوار داخلية تبقي خطوط النفوذ الكبرى على حالها. انفجارات مؤجَّلة بدل حلول نهائية.

في هذا السياق، يصبح اعتقال مادورو أداة لإدارة الأزمة لا لحظة مفصلية في تاريخ فنزويلا. قد يتغيّر المسرح، لكن النص يبقى نفسه: صراع قوى كبرى، تفاهمات تُنسَج تحت الطاولة، وشعوب تُستَخدم كديكور في لعبة جيوسياسية أكبر منها.

ونحن اليوم نسبح قسرًا في الفضاء الأميركي، شاء من شاء وأبى من أبى

وللعبرة فهكذا تُدار السياسة في عالم ما بعد الحرب الباردة:

لا انتصارات كاملة،

ولا هزائم نهائية،

بل صفقات مؤقتة…

مؤجَّلة الانفجار

هنادي عباس

كاتبة ومستشارة قانونية دولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى