أخبار لبنانالرأي

بين الوطن والغضب: كيف قرأ الرئيس مشروع الدولة ودماء الجنوب؟

كتبت هنادي عباس:

في أول مقابلة تلفزيونية رسمية حوارية له، ظهر فخامة الرئيس جوزيف عون متناولًا الواقع اللبناني كما هو، بلا إنكار ولا تزييف، عارضًا مسار عهده الذي شارف على عامه الأول.

وما استوقف المتابعين لم يكن فقط ما قيل صراحة، بل ما حُمل بين السطور، وما أفصح عنه الصمت بقدر ما أفصحت الكلمات.

نحن اليوم أمام قراءة وطنية تفرضها مسؤولية القلم الحر، لا من باب المعارضة العبثية، ولا من باب التمجيد الأعمى، بل من باب الحرص الصادق على الدولة، وعلى معنى أن يكون للبنان رئيس يريد بناءه، لا إدارة أزماته فقط.

أولًا:

إن اختيار فخامة الرئيس الظهور عبر تلفزيون لبنان، التلفزيون الوطني، لم يكن تفصيلًا بروتوكوليًا، بل رسالة سياسية واضحة تُعيد الاعتبار للمؤسسات الرسمية، وتؤكد أن الدولة تُبنى من منابرها، وأن الخطاب السيادي لا يُستعار بل يُمارَس.

ثانيًا:

إن طبيعة الأسئلة المطروحة جاءت من صلب الوجع اللبناني: اقتصادٌ منهك، أمنٌ مهدَّد، دولةٌ تبحث عن انتظامها. لم يكن هناك قفز فوق الواقع، ولا تلميع للأزمات، بل مواجهة هادئة معها.

ثالثًا:

أما الأجوبة، فجاءت عقلانية، براغماتية، متّزنة، بعيدة عن الخطاب الشعبوي. خاطبت العقل قبل العاطفة، وقدّمت صورة رئيس دولة لا زعيم مرحلة. وهذه ميزة في منطق بناء الدولة، وإن بدت قاسية على مستوى الشعور العام.

لكن حين نصل إلى الجانب الأشد حساسية، إلى الدفاع عن الوطن، إلى الجنوب الذي رُوي بالدم، وإلى العائلات التي قدّمت أبناءها قرابين للسيادة، هنا يصبح للخطاب وزنٌ آخر، وتصبح للكلمات مسؤولية مضاعفة.

لم يكن الاعتراض على مبدأ التعقّل، فالتعقّل فضيلة في إدارة الدول،

بل على توقيته، وعلى اللغة التي استُخدمت في توصيف تضحيات لم تكن يومًا تهوّرًا، بل خيارًا وجوديًا فرضه عدو لا يعترف بالقانون ولا بالحدود.

كان الأجدى أن يُطرح التعقّل ضمن إطار أشمل:

تعقّل يبني دولة، ولا ينفي ذاكرة،

تعقّل يُنتج استراتيجية وطنية جامعة،

تعقّل يواجه العدو ولا يساوي بين المعتدي والمُدافع.

فالمعادلة التي حكمت لبنان طويلًا — الجيش، الشعب، المقاومة — لم تكن نزوة، بل محاولة تاريخية لسدّ عجز الدولة في مرحلة معينة، بانتظار قيام الدولة القادرة المكتملة.

نُشاطرك الرأي، فخامة الرئيس، أن العدو اليوم تبدّلت أساليبه، وتنوّعت أدواته، وكسر كل قواعد الاشتباك، وتعامل بوحشية مطلقة.

لكن الخطأ، إن وقع في مواجهة هذا العدو، لا يُلغي عدالة القضية، ولا يُسقط شرف المقاومة، ولا يُحوّل التضحيات إلى عبث.

فالخطأ مع العدو لا يُسمّى فشلًا،

والمحاولة في وجه مشروع الإلغاء شرف بحد ذاته،

والصمود قيمة لا تُقاس بنتيجة آنية.

نحن اليوم، يا فخامة الرئيس، لا ندعوك إلى التعقّل، فالعقل فيك راجح،

بل ندعوك إلى التبصّر.

فالعقل حين يُفصل عن الذاكرة الوطنية، يصبح حسابًا باردًا،

والدولة حين تُبنى بلا ذاكرة، تُصبح إدارة لا وطنًا.

ستة وأربعون عامًا، والمقاومة بكل أشكالها تُقاتل، تُضحّي، وتجتهد دفاعًا عن هذا البلد.

ستة وأربعون عامًا، والنبض المقاوم كان ولا يزال عزاءً لأهالي الشهداء، لا وقودًا للفتنة.

ستة وأربعون عامًا، قُدّمت فيها فلذات الأكباد من أجل أن نعيش في وطن، لا في مخيم خوف.

وقد جاءت النتائج أحيانًا دون التوقعات، لا من باب الضعف، بل لأن ميزان العالم مختل، لا لأن الدم كان بلا قيمة.

ونشهد لك، يا فخامة الرئيس، أنك تحمل مشروع دولة حقيقي.

نشهد أنك تريد إعادة بناء لبنان على أسس مؤسساتية صلبة، بروح الدولة القوية، لا دولة الشعارات.

نشهد إيمانك بالمحاسبة، وبسيادة القانون، وبأن لا خلاص بلا عدالة.

ونشهد أنك تسعى لنقل لبنان من حال “اللا دولة” إلى دولة فاعلة، قادرة، عادلة، تفيض بالحياة.

لكن يبقى السؤال الوطني الصادق:

أيعقل، يا فخامة الرئيس، أن يُطلب من المضحّين المزيد من التعقّل، وهم اليوم في ذروة الصبر والصمت وضبط النفس،

في وقتٍ كنتَ فيه، خلال المقابلة، تشهد عدوان العدو وهو يفرغ حقده على كفرحتى والقرى الآمنة، ويزرع الرعب في بيوتٍ نامت على وسادة أمل بغدٍ أفضل؟

وأخيرًا، يا فخامة الرئيس، نقسم لك أننا تعبنا حروبًا وهروبًا وسنين كرٍّ وفرّ،

لكننا لم نتعب حبًا، ولا وفاءً، ولا تضحيةً من أجل أن يبقى لنا وطن.

وأنا، كمواطنة لبنانية،

هنادي عباس، من بلدة شيحين الحدودية،

أقول: أريد ضيعتي الساكنة على أطراف حبال الموت أن تعود لي، كما أعادتها المقاومة في تحرير عام 2000.

فحلمي الأول ليس الحرب، بل لبنان الدولة:

لبنان الأخضر،

لبنان المحرّر،

لبنان المزدهر،

لبنان الجميل،

لبنان الذي يحمي أبناءه،

ولا يُخجِل شهداءه،

ولا يطلب من ذاكرته أن تنسى كي يُرضي الحاضر.

أما العدو، ففرضيتنا معه ثابتة لا تتغيّر:

لا يهادن إلا ضعفًا،

ولا يعترف إلا بقوة تحمي الدولة،

ولا يحترم سلامًا بلا ردع.

والتاريخ، يا فخامة الرئيس، لا ينسى،

يكتب، ويسجّل، ويحفر في ذاكرته أسماء الدول التي بُنيت،

وأسماء الرجال الذين لم يُنكروا أصل الوطن وهم يؤسسون له .. ونحن نشهد أنك في مقدمتهم

هنادي عباس

كاتبة سياسية ومستشارة دولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى