أخبار لبنانالرأي

التنازل للعدو دون مقابل جريمة استراتيجية والاستسلام بلا ضمانات جريمة بحق الإنسانية

 

بقلم: هنادي عباس

كيف خسر لبنان معادلة القوة باسم السيادة؟

ما يجري في لبنان اليوم ليس تفصيلًا أمنيًا، ولا إجراءً تقنيًا تحت عنوان “بسط سلطة الدولة”، بل لحظة سياسية كاشفة، تُعرّي منطق إدارة الصراع، وتفضح الوهم القائل إن الالتزام الأحادي يمكن أن يُنتج توازنًا أو احترامًا.

الدولة اللبنانية والجيش قاما بخطوة كبيرة في جنوب الليطاني: نزع شبه كامل للسلاح، ضبط ميداني صارم، تنفيذ حرفي للقرار الدولي، وتقديم نموذج “الدولة الملتزمة” كما يريدها الخارج. هذه خطوة ثقيلة سياسيًا وأمنيًا، ولا يمكن إنكارها أو التقليل من شأنها. لكنها، في ميزان السياسة لا الأخلاق، وُضعت في فراغ استراتيجي قاتل.

إسرائيل لم تقدّم شيئًا في المقابل. لا تهدئة، لا انسحاب، لا ضمانات، ولا حتى اعتراف معنوي بالخطوة. الرد كان صمتًا متعاليًا، ثم رسالة أوضح من أي بيان: ما قُدِّم لا يُشكّل كلفة تُذكر. هنا يبدأ جوهر الأزمة.

في العلاقات الدولية، التضحية في الفراغ ضياع، والالتزام غير المربوط بمقابل يُعاد تعريفه فورًا كضعف. ما يُعطى مجانًا لا يُكافأ، بل يُستَخدم. والعدو لا يقيس الأفعال بالنيات، بل بالكلفة التي تفرضها عليه. حين تنخفض الكلفة، ترتفع الشهية.

الأخطر أن إسرائيل لا تعيش مجرد ارتياح ظرفي، بل نشوة المنتصر المُهين. ليس لأنها ربحت حربًا شاملة، بل لأنها نجحت في تعديل معادلة القوة من دون أن تدفع ثمنًا. هذا النوع من “الانتصار” هو الأكثر خطورة، لأنه لا يغيّر الوقائع الميدانية فحسب، بل يعيد تشكيل وعي الخصم بذاته، وحدود حركته، وسقف قراره.

لبنان تصرّف كدولة تبحث عن الشرعية والاستقرار. إسرائيل تصرّفت كقوة احتلال ترى في الشرعية أداة ضغط لا مرجعية مُلزِمة. الفرق بين المنطقين، لا عدد الجنود ولا نوع السلاح، هو ما قلب ميزان القوى.

الحقيقة التي يجب قولها بلا مواربة هي الآتية:

نزع السلاح لم يتحوّل تلقائيًا إلى قوة للدولة، بل إلى فراغ قوة. والفراغ في السياسة لا يبقى فراغًا، بل يُملأ. ومن يملؤه ليس القانون ولا الأمم المتحدة، بل الطرف الأقوى والأكثر استعدادًا للاستخدام.

ما جرى هو إعادة ترتيب للقوة، لكن بشكل هش وخطير:

قوة عسكرية أُضعفت من دون أن تُستبدل بمنظومة ردع بديلة،

قوة سياسية عاجزة عن تحويل الالتزام إلى مكسب تفاوضي،

وقوة دولية تراقب وتضغط، لكنها لا تضمن ولا تحمي.

إسرائيل تقرأ هذه اللحظة بدقة. ترى بلدًا منهكًا اقتصاديًا، منقسمًا سياسيًا، يسعى إلى الاستقرار بأي ثمن. فتتعامل معه لا كشريك محتمل في تهدئة، بل كبيئة أمنية قابلة لإعادة الهندسة. هدفها ليس السلام، بل تفوّق مستدام يسمح لها بالفعل متى شاءت، وكيفما شاءت، وبأقل كلفة ممكنة.

المعضلة أن لبنان خلط بين السيادة كقيمة أخلاقية، والسيادة كقدرة فعلية. السيادة لا تُستعاد فقط بنزع السلاح، بل ببناء معادلة تجعل أي اعتداء مكلفًا، وأي تجاهل غير ممكن. من دون غطاء سياسي داخلي صلب، وضمانات دولية قابلة للتنفيذ، وعقيدة دفاعية واضحة، يصبح احتكار السلاح تعرّيًا لا سيادة.

السؤال الحقيقي اليوم ليس من يملك السلاح، بل من يملك القدرة على فرض معادلة، ومن يدفع ثمن غيابها.

إسرائيل، في نشوتها الحالية، لن تتوقف عند هذا الحد. المنتصر المُهين لا يعرف الاكتفاء لأنه لا يُواجَه. وكل خطوة لبنانية غير مربوطة بمقابل ستُقرأ كرصيد إضافي في حساب الضغط.

لبنان اليوم أمام مفترق خطير:

إما أن يعيد تعريف التزامه كأداة تفاوض لا كتنازل نهائي،

وإما أن يكتشف متأخرًا أن ما فُكِّك لم يكن سلاحًا فقط،

بل موقعًا كاملًا في معادلة الصراع.

في هذه المنطقة، السلام بلا توازن وهم،

والالتزام بلا ضمانات خطأ استراتيجي،

وحسن النية في مواجهة قوة لا تعترف إلا بالكلفة… مقامرة يدفع ثمنها الضعفاء وحدهم.

هنادي عباس

كاتبة ومستشارة قانونية دولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى