بينما كان لبنان يرزح تحت وطأة أزماته الاقتصادية والسياسية الخانقة، انعقدت القمة العربية في لحظة فارقة، حيث تتداخل الملفات الملتهبة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وما تتعرض له غزة من عدوان إسرائيلي ممنهج، يترافق مع خطط تهجير قسري تذكر بنكبة 1948.
في ظل هذا المشهد المتوتر، تبدو المنطقة العربية على مفترق طرق، حيث لم يعد بالإمكان الاكتفاء بالمواقف الرمادية أو التصريحات الدبلوماسية المعتادة. فالمخططات التي يجري فرضها على الأرض، بدعم أمريكي واضح، تُنذر بتغيير جذري في معادلة الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، حيث تتجاوز القضية اليوم إطار الحصار والتصعيد العسكري لتصل إلى مستوى التهجير الجماعي، وهو ما يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي العربي بأسره.
رغم التصريحات والبيانات الصادرة عن القمة، إلا أن غياب القرارات الفعلية لردع المخططات الجارية يطرح تساؤلات حول مدى جدية التحرك العربي في مواجهة هذه التحديات. فالاكتفاء بالإدانات لا يكفي أمام مشروع استيطاني يسعى إلى تغيير ديموغرافي شامل في غزة والضفة الغربية، وسط صمت دولي وتحركات خجولة لا ترقى إلى مستوى الحدث.
في المقابل، كان لبنان يأمل أن تكون القمة فرصة لإعادة ترتيب أولوياته، خاصة فيما يتعلق بأزمته الاقتصادية وانهيار الدولة. لكن أمام سخونة الملف الفلسطيني، بدت الأولويات العربية موجهة نحو القضايا الإقليمية الكبرى، ما جعل لبنان في موقع الانتظار. ورغم الحاجة الملحة إلى الدعم العربي، إلا أن التعقيدات السياسية المرتبطة بالملف اللبناني جعلت أي مساعدة مشروطة بإصلاحات داخلية وتوافقات سياسية لم تتحقق بعد.
هذا التوازن الدقيق بين القضية الفلسطينية والأزمة اللبنانية يعكس حجم المأزق العربي، حيث باتت الأولويات تُفرض من الخارج، في وقت تبدو فيه الدول العربية عاجزة عن بلورة رؤية موحدة لمواجهة هذه التحديات. ومع تصاعد المخاطر الأمنية والاقتصادية، أصبحت الحاجة إلى قرارات حاسمة أمرًا لا يمكن تأجيله.
لم يعد هناك متسع للمراوغة، ولم يعد بالإمكان التهرب من المواجهة. فمع تسارع الأحداث، إما أن تتخذ الدول العربية خطوات اقتصادية وسياسية جادة لوقف هذا النزيف، أو أن تدخل مرحلة جديدة من الخضوع التدريجي، بحيث تصبح القرارات المصيرية مجرد ردود فعل متأخرة تُطبخ خارج الإطار العربي.
الوضع بات أكثر تعقيدًا مما يبدو، والخيار الوحيد الذي قد يُحدث فرقًا هو كسر الحلقة المفرغة من البيانات غير الفعالة والتحرك نحو قرارات حاسمة تحفظ الحد الأدنى من المصالح العربية. فإما أن ينتج عن هذه القمة نقطة تحول تعيد ترتيب الأولويات العربية وفق رؤية واقعية وقادرة على المواجهة، أو أن تتحول إلى محطة أخرى من العجز الذي يدفع الفلسطينيون ولبنان وبقية الدول المنكوبة ثمنه.
كتبت هنادي عباس
زر الذهاب إلى الأعلى