الرأي

من أميركا إلى الصين!!! سُلِكت الطرق وضل الوصول: العالم بين الاحتواء والانفجار

كتبت هنادي عباس:

العالم اليوم لا يعيش مجرد توترات عابرة، بل يقف عند مفترق تاريخي يعيد رسم شكل النظام الدولي بأكمله. فالتصاعد المتزامن للأزمات السياسية والعسكرية والاقتصادية، إلى جانب الثورة التكنولوجية غير المسبوقة، خلق بيئة دولية شديدة التعقيد، تتداخل فيها المصالح بالنفوذ، وتتحول فيها أي أزمة إقليمية إلى مشروع صدام دولي مفتوح.

في قلب هذا المشهد، جاءت الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الصين لتكشف حجم التحول القائم في موازين القوى العالمية. فالصين، التي استقبلت ترامب بدبلوماسية منفتحة ورسائل تعاون اقتصادي وسياسي وعسكري، لم تكن تتعامل مع الولايات المتحدة كقوة وحيدة تقود العالم، بل كطرف مقابل في معادلة ثنائية قطبية آخذة بالتشكل تدريجياً.

هذا الانفتاح الصيني لم يكن خالياً من الحذر. فبكين تدرك أن الصراع مع واشنطن لم يعد مجرد تنافس اقتصادي، بل بات مواجهة شاملة على النفوذ العالمي، من التجارة والطاقة إلى التكنولوجيا والممرات البحرية والتحالفات العسكرية. ومن هنا، حملت الرسائل الصينية تحذيراً مبطناً من الانزلاق نحو “فخ ثيوسيديدس”، أي الصدام الذي قد ينشأ عندما تشعر القوة المهيمنة بالخطر من صعود قوة دولية جديدة تنافسها على قيادة العالم.

وفي المقابل، تبدو الولايات المتحدة اليوم عالقة بين أكثر من جبهة؛ من التصعيد مع إيران واحتمالات انفجار المنطقة، إلى الصراع مع الصين في آسيا، مروراً بالأزمات الدولية المتراكمة التي تستنزف النفوذ الأميركي وتضعه أمام اختبار تاريخي غير مسبوق. فواشنطن تدرك أن أي تراجع استراتيجي سيعني بداية نهاية الأحادية القطبية التي حكمت العالم لعقود، فيما ترى الصين أن اللحظة الدولية الحالية تمثل فرصة لإعادة تشكيل النظام العالمي على أسس جديدة أكثر تعددية.

لذلك، فإن ما يجري اليوم لا يمكن قراءته كأحداث منفصلة، بل كسلسلة مترابطة من التحولات الكبرى التي تشير إلى أن العالم دخل فعلياً مرحلة إعادة توزيع القوة الدولية. مرحلة تختلط فيها الدبلوماسية بالردع، والتعاون بالصراع، والانفتاح بالخشية من الانفجار الكبير.

وفي ظل هذا المشهد، يبقى السؤال الأخطر: هل تنجح القوى الكبرى في احتواء التنافس ضمن حدود السياسة والاقتصاد، أم أن العالم يقترب تدريجياً من لحظة الانفجار التي حذرت منها كل النظريات الاستراتيجية الكبرى؟!!

هنادي عباس
كاتبة وباحثة سياسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى