كتبت هنادي عباس:
حين يكون الشعب هو مصدر السلطات، تكون الحكومات مجرّد أداة لإدارة شؤون الناس وتسيير مصالحهم. فالنواب يمثّلون الشعب، والحكومات تستمد شرعيتها من هذا التفويض. ومنطق الأشياء يقول إن كل قرار يصدر عن الدولة يجب أن يكون في خدمة الشعب لا على حسابه.
لكن حين نعود إلى أصل الصراع، نجد أن إسرائيل قامت عام 1948 على أرضٍ مثقلة بقرارٍ استعماري سابق هو وعد بلفور، الذي وُلد في سياق الحرب العالمية الأولى، مانحًا شرعية سياسية لمشروعٍ لم يكن يملك شرعية الأرض ولا إرادة أهلها.
واليوم يتكرّر المشهد بصورة مختلفة. تقرّر الدولة الدخول في مفاوضات مباشرة وخطط سلام وتطبيع، على أمل أن تكفّ يد العدو أو تردعه. لكن الوقائع على الأرض تقول شيئًا آخر: عدو يواصل القتل، ويستبيح الأرض، ويعلن صراحة طموحاته التوسعية.
المفارقة أن إسرائيل لا تعطي لهذه المفاوضات أهمية حقيقية، ليس لأنها لا تريد التفاوض من حيث المبدأ، بل لأنها تدرك ميزان القوة. فهي تعلم، رغم كل الضغوط الدولية، أن القرار الفعلي في الميدان ليس بيد الدولة وحدها، وأن الضمان الحقيقي لا يُصنع على طاولة الكلام فقط، بل في معادلة القوة.
وهنا نصل إلى جوهر التفاوض. ففي فنّ التفاوض المباشر قاعدة واضحة: لا تبدأ المفاوضات من نقطة الضعف، بل من عناصر القوة. تُدرَس موازين القوة أولًا، ثم تُفتح الطاولة. لأن من يتخلّى عن عناصر قوته قبل أن يجلس إلى التفاوض لا يفاوض… بل يوقّع مسبقًا على شروط خسارته.
ففي منطق السياسة:
السلاح قوّة… ونزعه ضعف.
الأرض قوّة… والتنازل عنها ضعف.
النفط قوّة… وضياعه ضعف.
المياه قوّة… وهدرها ضعف.
أما لبنان بحدّ ذاته فهو عنصر قوة، بما يملكه من موقعٍ جغرافي مؤثر ودورٍ حساس في توازنات المنطقة. لذلك فإن التفاوض على شبرٍ واحد من أرضه ليس سياسة حكيمة، بل ذروة الضعف.
التاريخ يكرر درسه القاسي: حرية الشعوب لا تُمنح بقرارات سياسية، بل تُنتزع حين يصبح لدى الأمة رجال يضعون رؤوسهم على أكفّهم دفاعًا عن الأرض والكرامة. وعلى امتداد التاريخ، لم تُصن الأوطان إلا بدماء من قرروا أن يدفعوا ثمنها.
ولهذا يبدو المشهد كأنه إعادة فتح لبابٍ قديم؛ الباب الذي فُتح يوم صدر وعد بلفور. فالقوى نفسها التي أعطت وعدًا يومًا، قادرة على أن تعطي وعودًا جديدة… لكن أي وعدٍ لا يستند إلى إرادة شعبٍ يملك قوته يبقى وعدًا بلا شرعية
إذا كان لا بد من المفاوضات فلا بد من تبدأ من إرادة الشعوب وتحرير الأرض ووقف العدوان لا على حساب استقواء العدو والعبرة في الخواتيم
هنادي عباس
كاتبة وباحثة سياسية
زر الذهاب إلى الأعلى