أخبار لبنانمقالات

البقاع تحت النار … رسالة إسرائيلية مزدوجة من البحر والجو: لبنان في قلب معركة كسر العظم الإقليمية

بقلم: الصحافي حسين عبدالله

في البقاع، لم تكن الغارة التي هزّت المنطقة اليوم مجرّد ضربة عسكرية عابرة، بل بدت أقرب إلى بيان ناري يحمل في طياته رسائل تتجاوز الجغرافيا اللبنانية نحو الإقليم بأسره. فاختيار التوقيت، ونوعية السلاح المستخدم، وإعلان تنفيذ الهجوم من البحر والجو معاً، كلها عناصر تشير إلى أن ما جرى يدخل في إطار رسم خطوط ردع جديدة أكثر مما هو مجرد استهداف ميداني محدود.

المعطيات المتداولة تشير إلى استخدام القنبلة الموجهة بدقة GBU-39/B المعروفة باسم Small Diameter Bomb (SDB I)، وهي ذخيرة أميركية تُطلق من الطائرات، تتميز بخفة وزنها نسبياً وقدرتها العالية على إصابة أهدافها بدقة متناهية عبر نظامي GPS والملاحة بالقصور الذاتي. هذه القنبلة، المصممة لاختراق التحصينات الخرسانية مع تقليص الأضرار الجانبية، ليست سلاح تدمير شامل، بل أداة “جراحية” في الحسابات العسكرية. اختيارها في البقاع يوحي بأن الهدف كان محدداً مسبقاً، وأن الرسالة المقصودة هي: نعرف أين نضرب، ونضرب بدقة.

لكن دلالة السلاح لا تنفصل عن دلالة المنصة. إعلان الجيش الإسرائيلي أن الغارات على مواقع تابعة لـحزب الله وحركة حماس نُفذت من البحر والجو معاً، يفتح الباب أمام قراءة أوسع. فإسرائيل لم تكتفِ بإرسال طائراتها، بل تعمّدت التأكيد على أن سلاح البحرية جزء فاعل في إدارة المعركة. هذه ليست تفصيلاً تقنياً، بل رسالة استراتيجية مفادها أن تل أبيب لا تعتمد حصراً على سلاح الجو في أي مواجهة إقليمية محتملة.

في ظل التوتر المتصاعد مع إيران، تبدو الرسالة أكثر وضوحاً: حتى لو انشغل سلاح الجو الإسرائيلي في مواجهة مباشرة مع طهران أو في مهام دفاعية لحماية العمق الإسرائيلي، فإن أذرعاً عسكرية أخرى قادرة على فتح جبهات نار إضافية، سواء في لبنان أو غيره من الساحات. بمعنى آخر، الحديث هنا عن إدارة حرب متعددة الجبهات بأدوات متوازية، لا عن ردّ موضعي محدود.

اختيار البقاع تحديداً ليس بلا دلالة. فالمنطقة تُعدّ في القراءة الإسرائيلية عمقاً لوجستياً وعسكرياً لحزب الله، واستهدافها يعني نقل المعادلة من الشريط الحدودي إلى الداخل اللبناني. إنه توسيع ضمني لقواعد الاشتباك، وإشارة إلى أن الجغرافيا لم تعد تشكل هامش أمان كما في السابق. فالضربة في العمق تقول إن أي انخراط لبناني أوسع في مواجهة إقليمية لن يبقى محصوراً في القرى الحدودية.

في المقابل، تحاول إسرائيل، من خلال طبيعة السلاح المستخدم ودقته، الإيحاء بأنها تضرب أهدافاً محددة لا الدولة اللبنانية ككيان، وأنها تمارس “ردعاً محسوباً” لا حرباً مفتوحة. إنها معادلة دقيقة: إظهار القدرة على الإيلام من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة لا يريدها أحد في هذه المرحلة.

هكذا، تبدو غارة البقاع اليوم جزءاً من مشهد أكبر يتجاوز حدود الضربة نفسها. إنها رسالة ردعية موجهة إلى حزب الله وحماس، وتحذير غير مباشر لإيران من استخدام الساحة اللبنانية كورقة ضغط في أي مواجهة مقبلة. وبين الرسالة العسكرية والسياسية، يبقى لبنان الحلقة الأضعف في صراع إقليمي تُرسم معالمه بالنار، وتُختبر فيه توازنات الردع على أرض هشّة لا تحتمل مغامرات كبرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى