لم يعد النقاش في بعض الجامعات اللبنانية يدور فقط حول شكل الامتحانات، حضوريًا أم عبر الإنترنت. ما يجري اليوم يتجاوز ذلك بكثير، ليطرح مسألة أكثر خطورة: ماذا يحدث عندما تتحول المؤسسة التعليمية إلى مصدر ضغط وخوف بدل أن تكون مساحة أمان؟
شهادات طلابية متقاطعة تكشف عن واقع مقلق. طلاب يؤكدون تعرضهم لتهديدات مباشرة أو مبطّنة، فقط لأنهم طالبوا بحقهم في ظروف امتحانية عادلة تراعي الأوضاع الأمنية والمعيشية. أحد الطلاب، الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه، يختصر المشهد بعبارة صادمة: “الجامعة عم تهددنا… وإذا طالبنا بحقوقنا رح تنعكس علينا سلباً”.
هذه ليست مجرد رواية فردية. بل مؤشر على مناخ عام من الضغط، حيث يشعر الطلاب أن صوتهم قد يكلفهم مستقبلهم الأكاديمي. وهنا، تكمن الخطورة الحقيقية.
الجامعة، أي جامعة، ليست شركة خاصة تدير طلابها بمنطق الربح والخسارة، ولا سلطة تفرض قراراتها بالقوة. هي مؤسسة تربوية، يفترض أن تقوم على الحوار، الاستماع، والمرونة، خصوصًا في بلد يعيش أزمات متلاحقة، من الانهيار الاقتصادي إلى التوترات الأمنية.
لكن، ماذا يعني أن يُطلب من الطلاب الحضور إلى الامتحانات في ظل هذه الظروف، مع تجاهل كامل لمخاوفهم؟ وماذا يعني أخطر من ذلك، أن يُقابل اعتراضهم بالتهديد؟
هذا السلوك، إن ثبت، لا يندرج فقط في خانة سوء الإدارة، بل يلامس حدود الانتهاك. التهديد، بأي صيغة كان، هو فعل مرفوض قانونيًا وأخلاقيًا. واستخدامه داخل مؤسسة تعليمية يضرب جوهر العملية التربوية.
المشكلة هنا لا تتعلق بقرار إداري يمكن الدفاع عنه أو مناقشته، بل بطريقة فرض هذا القرار. الفرق كبير بين إدارة تتحاور مع طلابها، وأخرى تمارس الضغط لإسكاتهم.
في المقابل، يبدو أن الطلاب بدأوا يكسرون حاجز الخوف. التحركات التي انطلقت من مجموعة صغيرة سرعان ما توسعت، والحملة الإلكترونية التي أطلقوها تعكس وعيًا متزايدًا بحقوقهم، وإصرارًا على إيصال صوتهم. هذا التحول بحد ذاته رسالة: لم يعد ممكنًا تجاهل الطلاب أو التعامل معهم كطرف ضعيف.
لكن، المواجهة غير المتكافئة تطرح سؤالًا أكبر: أين دور وزارة التربية والتعليم العالي؟ وأين هي الجهات الرقابية؟ وهل يُترك الطلاب وحدهم في مواجهة إدارات تمتلك السلطة الأكاديمية؟
تحريك الرأي العام اليوم ليس خيارًا، بل ضرورة. لأن الصمت في مثل هذه الحالات لا يحمي أحدًا، بل يكرّس سابقة خطيرة. وإذا مرّ هذا النوع من الممارسات دون مساءلة، فقد يصبح القاعدة، لا الاستثناء.
المطلوب ليس التصعيد من أجل التصعيد، بل فرض حد أدنى من العدالة. المطلوب أن تستمع الإدارات، أن تراجع قراراتها، وأن تدرك أن الطلاب ليسوا خصومًا، بل شركاء في العملية التعليمية.
أما الرسالة الأوضح، فهي أن الخوف لا يمكن أن يكون أداة إدارة. لأن الجامعة التي تُبنى على الترهيب، تفقد جوهرها… وتفقد احترام طلابها قبل أي شيء آخر.
في “Arabic Daily News”، لن نترك الطلاب وحدهم في مواجهة الضغوط، ولن نصمت أمام أي محاولة لترهيبهم أو كسر صوتهم. سنبقى إلى جانبهم، ننقل معاناتهم، ونكون صوتهم الحر حتى تحقيق العدالة.
زر الذهاب إلى الأعلى