اخبار عالميةمقالات

زهران ممداني… أول مسلم وعربي الأصل يتولى عمادة نيويورك: فوز تاريخي وبرنامج جريء

(رنا شريف)

في لحظة وُصفت بالتاريخية، فاز السياسي التقدّمي زهران ممداني بمنصب عمدة مدينة نيويورك، ليصبح أول مسلم، وأول أميركي من أصول جنوب آسيوية يتقلّد هذا المنصب في أكبر مدينة أميركية. فوز ممداني شكّل تحوّلاً لافتاً داخل المشهد السياسي الأميركي، وأعاد تسليط الضوء على التيار اليساري التقدّمي الذي يسعى إلى إعادة صياغة أولويات الحكم المحلي في الولايات المتحدة.

من كامبالا إلى نيويورك

وُلد زهران ممداني عام 1991 في كامبالا – أوغندا لعائلة من أصول هندية – أفريقية. والده هو الأكاديمي المعروف محمود ممداني، ووالدته المخرجة السينمائية ميريام كينغ. هاجرت العائلة إلى الولايات المتحدة وهو طفل، واستقرت في نيويورك حيث نشأ وتلقّى تعليمه الجامعي في كلية “Bowdoin”، متخصّصًا في الدراسات الأفريقية.
قبل دخوله المعترك السياسي، عمل ممداني كمستشار إسكان يساعد العائلات ذات الدخل المنخفض، وهو ما شكّل الأساس لرؤيته الاجتماعية التي تركّز على العدالة الاقتصادية والسكن الميسّر.

مسيرته السياسية

دخل ممداني الحياة العامة من بوابة مجلس ولاية نيويورك عام 2020، حين فاز بمقعد عن الدائرة 36 في كوينز ممثلاً الحزب الديمقراطي. ومنذ ذلك الحين، برز اسمه كأحد الأصوات الأكثر جرأة في التيار التقدّمي داخل الحزب، مدافعًا عن العدالة الاجتماعية، والنقل العام المجاني، ورفع الضرائب على الأثرياء.
وفي انتخابات 2025، تمكن من الفوز برئاسة بلدية نيويورك بعد حملة شعبية استندت إلى خطاب قريب من الطبقات العاملة، ووعود بإصلاحات اجتماعية عميقة تشمل تجميد الإيجارات، النقل المجاني، ورعاية الطفولة المبكرة بلا كلفة.

مواقفه من حقوق الشاذين جنسيا والمهمّشين

يُعرف ممداني بدفاعه القوي عن حقوق الأقليات والمجتمعات المهمّشة، بما في ذلك مجتمع الشاذين والمتحولين(LGBTQ+).
فقد دعم توسيع الحماية القانونية ضد التمييز لتشمل التوجه الجنسي والهوية الجندرية، واقترح إنشاء مكتب خاص في البلدية تحت اسم «مكتب شؤون مجتمع LGBTQIA+» لتقديم خدمات الإسكان والرعاية الصحية والتعليم.
كما تعهّد بتخصيص 65 مليون دولار لتعزيز خدمات الرعاية الطبية للمتحولين، مؤكدًا أن المدينة يجب أن تكون «ملاذًا آمناً» لكل من يتعرّض للتمييز أو الاضطهاد.

موقفه من القضية الفلسطينية

أما في ما يخص الشرق الأوسط، فقد كان ممداني من القلائل داخل الحزب الديمقراطي الذين اتخذوا موقفًا صريحًا داعمًا لفلسطين.
فقد وصف الحرب الإسرائيلية على غزة بأنها «إبادة جماعية»، وطالب الإدارة الأميركية بوقف المساعدات العسكرية لإسرائيل. كما أعلن رفضه المشاركة في «مسيرة إسرائيل» السنوية في نيويورك، قائلاً: «لا يمكنني الاحتفال بدولة تمارس نظام فصل عنصري ضد شعب بأكمله».
مواقفه هذه أكسبته احترام شرائح واسعة من الجاليات العربية والإسلامية، لكنها أثارت أيضًا انتقادات من بعض المنظمات اليهودية التي اعتبرت تصريحاته «منحازة» ضد إسرائيل.

رمزية الفوز وتحديات المرحلة المقبلة

فوز زهران ممداني لا يُعدّ مجرد انتصار انتخابي، بل محطة رمزية في تاريخ التنوّع الأميركي. فهو يمثل جيلاً جديدًا من السياسيين الذين يجمعون بين الهوية المهاجرة، والالتزام الاجتماعي، والموقف الإنساني من القضايا العالمية.
لكن أمامه تحديات ضخمة، تبدأ من إدارة مدينة يتجاوز عدد سكانها ثمانية ملايين نسمة، وصولًا إلى اختبار قدرته على ترجمة وعوده الاجتماعية إلى سياسات واقعية وسط ضغوط مالية واقتصادية معقدة.

زهران ممداني اليوم ليس مجرد اسم جديد في السياسة الأميركية، بل رمز لتحوّل ثقافي وسياسي داخل المجتمع الأميركي.
وما إذا كان سيتمكن من تحويل رؤيته التقدّمية إلى واقع في شوارع نيويورك، فذلك ما ستكشفه السنوات المقبلة. لكن المؤكد أن المدينة لم تعرف منذ زمن وجهًا سياسيًا يجمع بهذا القدر بين الجرأة، والهوية، والمبدأ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى