الرأي

من الانتداب الفرنسي مروراً بالهيمنة السورية والتدخل الإيراني ووصولاً إلى الوصاية الأمريكية: هل يعيد لبنان ترتيب نفسه؟

كتبت هنادي عباس:

لم يكن لبنان يومًا ضعيفًا وهشًّا كما هو اليوم، ولم يكن في المقابل قويًّا وقادرًا كما كان في زمن المقاومة. كأن المراحل التي مرّ بها كانت تُكتب له كنهايات متتالية، بعضها معجَّل وبعضها مؤجَّل، إلى زمنٍ تسقط فيه الوصايات وأشكال الهيمنة المختلفة. فمنذ ولادته، لم يُمنَح لبنان فرصة حياةٍ طبيعية، بل وُضع في مسارٍ سياسي قسري، صاغته إرادات الخارج قبل أن تصوغه إرادة أبنائه.

وُلد لبنان من أبٍ فرنسي وأمٍّ بريطانية، ولادةً قيصريّة بعد مخاضٍ أليم، فُصل خلالها عن محيطه الطبيعي وعن إخوته الخمسة في عائلة الهلال الخصيب، وفق تسوية سايكس–بيكو. ترعرع في الحصن الفرنسي، وتشكّلت دولته تحت رعاية الانتداب، قبل أن يُرمى مبكرًا في قلب الصراع الإقليمي مع دخول العدو الإسرائيلي إلى فلسطين عام 1948، وما تبعه من ارتدادات مباشرة على الدولة اللبنانية الناشئة.

توالت بعدها المراحل، فجاءت القومية العربية بزخمها وأحلامها، ثم حلّت الوصاية السورية التي تغلغلت في مفاصل الدولة حتى العظم، لا بوصفها حمايةً للبنان، بل خدمةً لمشروع الهيمنة عليه والتحكّم بقراره السياسي والأمني. وفي خضمّ ذلك، بقي لبنان ساحةً مفتوحة لتصفية الحسابات، يُدار أكثر ممّا يُحكم، وتُستباح سيادته تحت عناوين شتّى.

مع فجر المقاومة والتحرير، بدا أنّ لبنان يستعيد شيئًا من قدرته على الفعل، لا سيما في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي الذي انتهك أرضه وحقوقه السيادية. غير أنّ هذا الإنجاز لم يُترجم دولةً قويّة، إذ تزامن مع استمرار حكم طبقة سياسية فاسدة، ارتهنت مصالحها للخارج، وتحوّل فيها الفساد إلى نظام حكم، لا إلى انحراف عابر.

في هذا السياق، برز الدور الإيراني بوصفه دعمًا للمقاومة في مواجهة الكيان الغاصب وطغيانه، فدخل لبنان مرحلة جديدة من الاشتباك السياسي والإقليمي. لكن الصراع لم يتوقّف هنا، إذ نشهد اليوم انتقال الوصاية إلى شكلٍ أكثر حداثة وخطورة: الوصاية الأمريكية، التي لا تأتي بالدبابات، بل بالعقوبات، وبالضغط الاقتصادي، وبخنق الدولة والمجتمع معًا ومصادرة قرارته وسحب سلاحها الذي هو العقبة الأولى في وجه العدو الاسرائيلي بمعزل أنه لن يلقى جدوى أمام التطور التكنولوجي والقدرة المدمرة التي استخدمها علينا في حربه الأخيرة وتحت وصاية تهدف إلى سحق كل ما سبقها بالقوة المضادّة، خدمةً لإسرائيل أولًا، ولمشروع تمدّدها في الشرق الأوسط ثانيًا، عبر البوابة اللبنانية تحديدًا.

وهكذا، لم يعرف لبنان يومًا الاستقرار الطبيعي الذي يسمح له بتجسيد دولة سيّدة، عادلة، وقادرة. كان دائمًا رسالةً للآخرين، أو ورقة تفاوض، أو ساحة نزاع. ومع ذلك، وفي مفارقة لافتة، يثبت لبنان في كل مرة أنّه قادر على إعادة ترتيب نفسه من تحت الركام، لا بقوة نظامه، بل بحيوية مجتمعه، وبفكرة وطن ترفض الذوبان رغم كل محاولات الكسر.

اليوم، يقف لبنان مجددًا عند مفترق طرق: إمّا أن يبقى بلدًا يُستَخدم وتُعاد صياغته وفق مصالح الخارج، وإمّا أن ينجح، للمرة الأولى، في كسر حلقة الوصايات لا تبديلها، والانتقال من كيان يُدار إلى دولة تختار. تاريخ لبنان يقول إنّ هذا البلد لا يموت بسهولة، لكنه يقول أيضًا إنّ ثمن البقاء كان دائمًا فادحًا… إلى أن يحين زمن القرار الوطني الصلب الذي لا يمكن أن يترجم دوره الحقيقي من دون إجماع وطني على هوية الوطن الواحد وبناء دولة مستقلة دون وصايات خارجية.

هنادي عباس

كاتبة ومحللة سياسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى