الرأي

واشنطن تصعّد، والصين تردّ بالتلويح بالحرب العالمية الثالثة… وتركيا تتوسّط المشهد

كتبت هنادي عباس

لطالما دلّ مسار التاريخ السياسي على حقيقة ثابتة: الحروب الكبرى نادرًا ما تبدأ حين يُكثر الساسة من الحديث عنها. فالتصعيد العلني، مهما بلغ حدّته، غالبًا ما يكون أداة ضغط ورسائل متبادلة أكثر منه إعلان نوايا فعلية لفتح جبهات شاملة. من هنا، لا يمكن قراءة التلويح الأميركي بالحرب ضد إيران، ولا الردّ الصيني الذي يستحضر شبح الحرب العالمية الثالثة، بمعزل عن منطق الردع وتوازن المصالح.

ما يشهده الشرق الأوسط اليوم لا يمثّل مسارًا خطيًا نحو حرب كونية، بقدر ما يعكس تحوّله مجددًا إلى ساحة اشتباك سياسي–عسكري تُدار فوقها صراعات النفوذ بين القوى الكبرى. المنطقة تُستخدم كمنصة رسائل، حيث يُستعرض فائض القوة في العلن، فيما تُدار الحسابات الفعلية خلف الأبواب المغلقة.

في هذا السياق، يبرز الحشد العسكري الأميركي المتزايد في الشرق الأوسط بوصفه عنصرًا مركزيًا في مشهد التصعيد. تعزيز القواعد، تحريك القطع البحرية، وتكثيف الوجود الجوي، كلها خطوات تحمل طابع الردع أكثر مما تحمل قرار الحرب. غير أن هذا الحشد، بحد ذاته، يرفع منسوب المخاطر، إذ إن ازدحام المنطقة بالقوى العسكرية يقلّص هامش الخطأ، ويجعل أي حادث محدود قابلًا للتحوّل إلى اشتباك واسع يصعب احتواؤه.

الولايات المتحدة لا تتحرك من موقع الهجوم المطلق، بل من موقع القوة القلقة. فالعالم لم يعد أحادي القطب، والقدرة الأميركية على فرض الإيقاع الدولي لم تعد كما كانت. لذلك، يصبح التصعيد وسيلة لإعادة تثبيت النفوذ، وردع الخصوم، وطمأنة الحلفاء، أكثر مما هو استعداد فعلي لخوض حرب شاملة عالية الكلفة وغير مضمونة النتائج.

في المقابل، يأتي الخطاب الصيني الذي يلوّح بالحرب العالمية الثالثة ضمن معادلة الردع المقابل. بكين لا تسعى إلى مواجهة مفتوحة، لكنها ترفض أن تُدار التوازنات الدولية من دونها. استحضار مفهوم “الحرب العالمية” لا يعني إعلان ساعة الصفر، بل تحذيرًا من أن أي انفلات في الشرق الأوسط قد يمتد أثره إلى بنية النظام الدولي برمّته.

وسط هذا التصعيد، تبرز تركيا كلاعب وسطي يحاول شغل مساحة الوساطة بين الاستقطابات الحادة. أنقرة، التي تجمعها علاقات متشابكة مع واشنطن وبكين وطهران في آن واحد، تدرك أن أي انفجار واسع في الشرق الأوسط سيصيب أمنها القومي واقتصادها ودورها الإقليمي مباشرة. لذلك، تتحرك دبلوماسيًا لخفض التوتر، لا بدافع الحياد المطلق، بل انطلاقًا من مصلحة استراتيجية في منع انهيار التوازنات القائمة.

الوساطة التركية لا تنفصل عن سعي أنقرة لتكريس نفسها قوة إقليمية قادرة على التواصل مع الخصوم في آن واحد، واستثمار الفراغ الدبلوماسي الذي تتركه القوى الكبرى حين تنشغل بالتصعيد. غير أن هذه الوساطة تبقى محكومة بحدود دقيقة، إذ لا تستطيع تركيا وحدها كبح اندفاعة صراع تتداخل فيه حسابات دولية كبرى.

أما الخليج، فيقف في قلب هذا المشهد بوصفه الحلقة الأكثر حساسية. اندلاع أي مواجهة عسكرية واسعة لن يبقى محصورًا ضمن حدود جغرافية ضيقة، بل سيطال أمن الطاقة والملاحة البحرية والاقتصاد العالمي. أي تهديد للممرات البحرية أو للبنية النفطية سيحوّل الخليج من منطقة استقرار هش إلى بؤرة صراع مفتوح، وهو سيناريو تدرك خطورته جميع الأطراف، بما فيها تلك التي تتصدر خطاب التصعيد.

إيران، بدورها، ليست مجرد هدف عسكري محتمل، بل عنصر توازن أساسي في المعادلة الإقليمية. أي ضربة مباشرة لها ستفتح سلسلة ردود متشابكة تطال القواعد الأميركية وحلفاء واشنطن، ولا سيما في الخليج. هذا الواقع يجعل خيار الحرب الشاملة مكلفًا إلى حدّ يشكّل رادعًا ذاتيًا يمنع الذهاب إليه بسهولة.

وبموازاة الضجيج العسكري، يتحرك تسونامي دبلوماسي أقل صخبًا وأكثر تأثيرًا: وساطات، قنوات خلفية، ورسائل غير معلنة، تشكّل الوساطة التركية أحد مساراتها البارزة، وهدفها المشترك ضبط الإيقاع ومنع الانزلاق نحو نقطة اللاعودة. فكلما ارتفعت نبرة التهديد، تنشط الدبلوماسية في الظل، لا العكس.

التجربة التاريخية تؤكد أن الحروب الكبرى تُحضّر بصمت، لا بخطابات نارية متكررة. وحين يصبح الحديث عن الحرب علنيًا ومفتوحًا، يكون في الغالب جزءًا من لعبة الردع لا من قرار التنفيذ.

وبالتالي، يبدو أن العالم اليوم يقف على حافة توتر دولي حاد، لا على حافة حرب عالمية ثالثة. غير أن استمرار الحشد العسكري في الشرق الأوسط، وترك الخليج تحت ضغط الاحتمالات، يُبقي الخطر قائمًا ولو مؤجّلًا. نحن أمام صراع إرادات في نظام دولي يتغيّر، حيث تُدار المواجهات بالأعصاب والوساطات والحسابات الدقيقة… إلى أن يخطئ أحدهم التقدير، فتتحول الحرب من ورقة تهديد إلى واقع لا يمكن التراجع عنه

هنادي عباس

كاتبة ومستشارة دولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى