مقالات

البلديات بين العجز والواقع… بلديات بلا رؤية في زمن الحرب والأزمات

✍️ بقلم: هنادي عباس

تُعتبر البلديات في لبنان الواجهة الأولى للدولة في حياة المواطن اليومية، فهي المعنية مباشرة بالنظافة، البنى التحتية، الخدمات العامة، وحتى الإغاثة الاجتماعية في الأزمات. غير أن واقع البلديات اليوم يعكس مأساة الدولة نفسها: عجزٌ مالي، ترهّل إداري، وغياب للكفاءة في مواقع القرار.

منذ سنوات، تعيش البلديات على فتات الموازنات، عاجزة عن تأمين أبسط متطلبات العمل البلدي. انهيار الليرة، توقف المشاريع، تراجع الدعم المركزي، وغياب الرؤية التنموية، جعلت البلديات جسدًا بلا روح. وفي ظل الغلاء الفاحش وانهيار القدرة الشرائية، لم تعد صناديق البلديات تكفي حتى لتغطية رواتب موظفيها، ما جعلها رهينة الواقع المالي والضغط الشعبي.

تزامنت الأوضاع الأمنية والعسكرية الأخيرة مع انتخابات بلدية جديدة جاءت في الوقت المحدد ولكنه محدود. فبينما كان الوطن في قلب الخطر، وموارده في الحضيض، خيضت انتخابات أشبه بالمسرحية، حيث غابت البرامج والمشاريع، وحضرت التحالفات الشخصية والطائفية والعائلية. هكذا ولدت مجالس بلدية هشة، لا تمتلك خطة ولا رؤية، بل تتخبّط في يومياتها وسط غياب التخطيط العلمي والسياسي.

الكارثة لا تكمن فقط في الفقر المالي، بل في الفقر التنظيمي والإداري. فبعض من رؤساء البلديات اليوم يفتقرون إلى الحد الأدنى من الكفاءة العلمية والاجتماعية، ما يجعلهم غير قادرين على مواكبة التحديات. بعضهم دخل العمل البلدي بالمصادفة أو بالوراثة، لا عن قناعة ولا عن مؤهل، فتحولت البلديات من مؤسسات إنمائية إلى ساحات نزاع شخصي ومصالح ضيقة.

في ظل الحرب والأزمات، كان يُفترض أن تلعب البلديات دورها كخط دفاع اجتماعي وإنساني أول، لكنها غابت، وتراجعت قدرتها على المبادرة. فبدل أن تكون حلقة الوصل بين الدولة والمجتمع، أصبحت جزءًا من الفوضى العامة، عاجزة عن التفاعل مع حجم المأساة المعيشية.

مع دخولي العمل البلدي اليوم أرى أن هناك فجوة كبيرة بين الواقع والمأمول فلا قاعدة ثابتة ينطلق منها من أجل النهوض والتغيير وموأزرة الناس وحقوقها فالهمّ الأول لدى كل من حمل على كتفيه مسؤولية الترشح أن يكون واضحاً حاضراً شفافاً متعاوناً مؤثراً على القدر المأمول

إننا بحاجة إلى جيل جديد من الإدارات المحلية

فالمرحلة القادمة تتطلب بلديات من نوع مختلف: بلديات منتجة، شفافة، يقودها رؤساء يفكرون بعقل الدولة لا بعقل العائلة، يملكون الكفاءة العلمية والخبرة الإدارية والقدرة على إدارة الأزمات. فالمجتمع المحلي لم يعد يحتمل التجريب ولا الخطابات، بل يحتاج إلى إدارة بلدية واعية، تضع الإنسان قبل السياسة، والخدمة قبل الشعارات.

البلديات اليوم مرآة لأزمة النظام برمته. من لا يستطيع إدارة شارع، لا يمكنه أن يبني وطنًا. الإصلاح يبدأ من القاعدة، من البلديات، من انتخاب الأكفاء لا الأقرباء، ومن إعادة تعريف معنى الخدمة العامة كمسؤولية لا كمنصب.

لبنان لا يحتاج إلى رؤساء بلديات يرفعون صورهم، بل إلى رجال ونساء يرفعون مدنهم وقراهم من الركام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى