مقالات

زيارة ولي العهد السعودي إلى البيت الأبيض:

المال على العتبة ، والقوة تفتح الباب _ من روض الآخر

عندما تطأ أقدام ولي العهد السعودي عتبة البيت الأبيض، لا يكون الحدث مجرد بروتوكول دبلوماسي أو تبادل صور أمام الصحافة. زيارة من هذا النوع هي فصل جديد من علاقة معقّدة تجمع بين أقوى دولة في العالم من جهة، ودولة تملك ثقلًا اقتصاديًا، وعمقًا دينيًا، ودورًا محوريًا في معادلات الشرق الأوسط من جهة أخرى.

ليس صحيحًا أن المال وحده يكفي لفتح أبواب القوة. المال عنصر مهم، لكنه يصبح مجرد صفر بلا قيمة إذا لم يجد خلفه إرادة سياسية ورؤية استراتيجية. ما يجعل واشنطن تنظر إلى الرياض ليس فقط حجم الاستثمارات، بل قدرتها على لعب دور موزون في سوق الطاقة العالمي، وتحريك توازنات المنطقة، وضبط إيقاع العلاقات بين الشرق والغرب.

البيت الأبيض يدرك أن المملكة ليست دولة نفطية فقط. هي لاعب جيوسياسي يمسك بخيوط تمتد من الخليج إلى أفريقيا، ومن البحر الأحمر إلى آسيا الوسطى. ومن هنا، تأتي زيارات ولي العهد كجزء من صوغ شكل العالم الجديد الذي يتغيّر بسرعة، حيث تحاول القوى الكبرى الحفاظ على نفوذها، بينما تصعد قوى إقليمية بقدرات اقتصادية ودبلوماسية هائلة.

في المقابل، تسعى السعودية إلى تثبيت موقعها الجديد كقوة عصرية، أقل اعتمادًا على النفط وأكثر حضورًا في التكنولوجيا والطاقة النظيفة والصناعات المتقدمة. واشنطن هي محطة أساسية في هذه الرحلة؛ شريك لا يمكن تجاهله في ملفات التسليح، الاستثمارات، الأمن الإقليمي، والمواجهة مع القوى المنافسة في الإقليم.

الصور التي تخرج من بوابة البيت الأبيض ـ مهما بدت بروتوكولية ـ ليست بسيطة. الوقفة، الإيماءة، طريقة الاستقبال، كلها رسائل موجّهة إلى الداخل والخارج. هناك لعبة رموز تُقرأ بعناية، ولعبة نفوذ تُبنى على مدى سنوات، لا على لحظة واحدة.

قد يقال إن “لعبة المال” تفسّر كل شيء. لكن اللعبة الأكبر هي لعبة موازين القوى، حيث المال يصبح أداة، والدبلوماسية ساحة، والاستراتيجية عقل اللعبة. القدرة الحقيقية ليست في امتلاك الثروة، بل في استخدامها في اللحظة المناسبة، وبالشكل الذي يضمن الاستمرارية.

أما الحقيقة الأساسية التي يتجاهلها كثيرون: أن العالم مليء بدول غنية، لكنها رغم الوفرة المالية تفتقد للثقل السياسي. الثروة لا تضمن وزنًا دوليًا. قطر مثلًا تمتلك واحدة من أكبر احتياطات الغاز وتتمتع بدخل فردي من الأعلى عالميًا، لكنها لم تستطع تحويل ثروتها إلى نفوذ جيوسياسي واسع إلا في ملفات محدودة وبأدوات ناعمة مثل الإعلام والاستثمار، وليس عبر تأثير مباشر في موازين القوى الإقليمية. المال لم يُنتج قوة، بل احتاج إلى رؤية واستراتيجية كي يصبح عنصرًا مؤثرًا، وما زال تأثيرها محدودًا مقارنة بدول تملك مشاريع سياسية واضحة وقدرة على الدفع والتأثير في خرائط المنطقة.

هكذا تُفهم زيارة ولي العهد السعودي إلى البيت الأبيض: خطوة محسوبة بين دولتين تدرسان تفاصيل النفوذ بدقة الجراح، وتعرفان أن العالم الجديد لا يصنعه الأقوياء فقط، بل أولئك الذين يعرفون كيف ينسجون مصالحهم بذكاء، ويُبقون على أبواب القوة مفتوحة.

هنادي عباس

كاتبة ومستشارة قانونية ودولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى