الرأي

الشرق الأوسط وتوازن هش: بين إدارة الخطر وإمكانية الانفجار

كتبت هنادي عباس:

إن الشرق الأوسط يعيش اليوم مرحلة توازن قلق.

لا توجد هيمنة أميركية مطلقة كما كانت بعد الحرب العالمية الثانية، وبلغت ذروتها في التسعينيات، ولا صعود إيراني حاسم يقلب الطاولة، ولا انسحاب كامل لأي طرف. ما يوجد هو شبكة شدّ حبال دقيقة، والجميع يمشي فوقها بحذر.

فإيران اليوم ليست في موقع انهيار، لكنها أيضًا ليست في موقع انتصار شامل. هي قوة إقليمية ثابتة الحضور، تخطط تقرر تتقدم وتمتلك أدوات ردع غير تقليدية فعّالة، خصوصًا في مجال الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة وارتفاع نسبة تخصيب اليورانيوم بما يقربها من عتبة القدرة النووية. لكنها في الوقت نفسه تواجه ضغوطًا اقتصادية داخلية وعقوبات مستمرة، ما يجعل قدرتها على تحويل النفوذ العسكري إلى نفوذ اقتصادي مستدام محدودة.

والولايات المتحدة حاضرة بقوة في المنطقة ولم تغادر، لكنها أعادت تعريف أولوياتها. وتركيزها الاستراتيجي ينقسم بين الشرق الأوسط وشرق آسيا مع الصين، ومع ذلك فإنها تحتفظ بقواعد عسكرية وتحالفات أمنية عميقة في الخليج. الفرق أن واشنطن لم تعد اللاعب الوحيد الذي يحدد الإيقاع، بل باتت طرفًا ضمن شبكة توازنات أوسع.

وفي ضوء إسرائيل التي تعيش معادلة معقّدة. فهي تملك تفوقًا عسكريًا واضحًا، لكنها تواجه تحديات أمنية متعددة الجبهات، إضافة إلى انقسامات داخلية سياسية واجتماعية. استراتيجيتها تقوم على منع تشكّل تهديد استراتيجي كبير، وتواجه خطابًا إقليميًا يعتبر أن وجودها نفسه موضع تحدٍ. ورغم ذلك، لا ترغب في خوض حرب شاملة غير محسوبة.

أما الخليج، فهو في قلب هذه المعادلة.

الخوف من التمدد الإيراني حقيقي، لكنه لم يعد يُترجم إلى مواجهة مباشرة كما في سنوات سابقة. هناك تحوّل نحو إدارة التوتر بدل تفجيره. التقارب السعودي–الإيراني، والانفتاح على الصين، مع الحفاظ على التحالف مع واشنطن، كلها مؤشرات على سياسة تنويع الضمانات.

الخليج لا يريد سقوط إيران لأن الفوضى الإقليمية أخطر من الخصومة المنظمة، ولا يريد صعودًا غير مضبوط لأن الهيمنة الإقليمية تهدد توازنه. لذلك يفضّل بيئة ردع متبادل واضحة الخطوط، حتى لو كانت باردة ومتوترة، مع اعتبار أن أي حرب على إيران تعرض أمنه للخطر المباشر. وهذا منطقي، خصوصًا وأن التنافس السعودي–الإيراني لم يهدأ منذ الثورة الإيرانية وحتى اليوم.

وتظهر الصين كلاعب اقتصادي صاعد، بهدوء وبدون خطاب أيديولوجي. فيما روسيا حاضرة سياسيًا وأمنيًا، لكن بقدرة محدودة اقتصاديًا. المنطقة لم تعد ثنائية القطب، لكنها أيضًا لم تصبح متعددة الأقطاب بشكل مستقر. إنها مرحلة انتقالية، والمرحلة المقبلة مفتوحة على احتمالات إعادة التموضع لا على حسم سريع.

فالصورة الواقعية اليوم لا يمكن حصرها ضمن تعاريف مقيدة: لا أحد يستطيع الحسم، ولا أحد يريد الانهيار. الجميع يتحدث عن الردع، ويخشى الانفجار. المعادلة ليست انتصارًا لطرف، بل إدارة مستمرة لعدم الانفجار الكبير. فالشرق الأوسط يعيش حالة “لا حرب شاملة ولا سلام مستقر”. وهذا النوع من التوازن قد يستمر طويلًا، لأن كل الأطراف تدرك أن كلفة الحسم أعلى من كلفة التعايش القلق.

وفي النهاية، المنطقة لا تتحرك بخط مستقيم نحو هيمنة طرف واحد، بل نحو توازنات معقدة تُبنى على حسابات دقيقة: من يضغط؟ إلى أي حد؟ ومتى يتوقف قبل أن يتحول الضغط إلى حريق شامل؟

المنطقة كلها كرقعة شطرنج لم تُحسم بعد، لكن جميع اللاعبين يعرفون أن إسقاط الملك ليس الخيار الأسهل، وأي خطأ في الحساب قد يغيّر قواعد اللعبة لسنوات.

هنادي عباس

كاتبة ومحللة سياسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى